فهرس الكتاب

الصفحة 3255 من 3896

اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْكَافِرِ يَغْزُو مَعَ الْإِمَامِ بِإِذْنِهِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ كَالْمُسْلِمِ. وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ: هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الثُّغُورِ، وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِالصَّوَائِفِ وَالْبُعُوثِ. وَعَنْ أَحْمَدَ لَا يُسْهَمُ لَهُ.

وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجِهَادِ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ، كَالْعَبْدِ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُ، كَالْعَبْدِ. وَلَنَا مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَانَ بِنَاسٍ مِنْ الْيَهُودِ فِي حَرْبِهِ، فَأَسْهَمَ لَهُمْ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي"سُنَنِهِ". وَرُوِيَ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، فَأَسْهَمَ لَهُ، وَأَعْطَاهُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ نَقْصٌ فِي الدِّينِ، فَلَمْ يَمْنَعْ اسْتِحْقَاقَ السَّهْمِ، كَالْفِسْقِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْعَبْدَ ; فَإِنَّ نَقْصَهُ فِي دُنْيَاهُ وَأَحْكَامِهِ.

وَإِنْ غَزَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَلَا سَهْمَ لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الدِّينِ، فَهُوَ كَالْمُرْجِفِ، وَشَرٌّ مِنْهُ. وَإِنْ غَزَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْكُفَّارِ وَحْدَهُمْ فَغَنِمُوا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَتُهُمْ لَهُمْ، لَا خُمُسَ فِيهَا ; لِأَنَّ هَذَا اكْتِسَابٌ مُبَاحٌ، لَمْ يُؤْخَذْ عَلَى وَجْهِ الْجِهَادِ، فَكَانَ لَهُمْ، لَا خُمُسَ فِيهِ، كَالِاحْتِشَاشِ وَالِاحْتِطَابِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ خُمُسُهُ، وَالْبَاقِي لَهُمْ ; لِأَنَّهُ غَنِيمَةُ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَشْبَهَ غَنِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ.

(7508) فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَعَانُ بِمُشْرِكٍ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْجُوزَجَانِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ. وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَخَبَرِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يُسْتَعَانُ بِهِ حَسَنَ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِمْ، لَمْ تُجْزِئْهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ ; لِأَنَّنَا إذَا مَنَعْنَا الِاسْتِعَانَةَ بِمَنْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِثْلَ الْمُخَذِّلِ وَالْمُرْجِفِ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى.

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَدْرٍ، حَتَّى إذَا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ، أَدْرَكَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ بِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْت لِأَتْبَعْك، وَأُصِيبَ مَعَك. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَتُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ. قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ أَدْرَكَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَانْطَلِقْ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ.

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يُرِيدُ غَزْوَةً، أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قُومِي، وَلَمْ نُسْلِمْ، فَقُلْنَا: إنَّا لَنَسْتَحْيِي أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ. قَالَ: {فَأَسْلَمْتُمَا ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ} . قَالَ: فَأَسْلَمْنَا، وَشَهِدْنَا مَعَهُ. وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَشْبَهَ الْمُخَذِّلَ وَالْمُرْجِفَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاَلَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِمْ غَيْرُ ثَابِتٍ.

(7509) وَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِلْفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ، وَلَا لِلرَّاجِلِ سَهْمَ رَاجِلٍ، كَمَا لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدَّ. وَيَفْعَلُ الْإِمَامُ بَيْنَ أَهْلِ الرَّضْخِ مَا يَرَى، فَيُفَضِّلُ الْعَبْدَ الْمُقَاتِلَ وَذَا الْبَأْسِ، عَلَى مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ، وَيُفَضِّلُ الْمَرْأَةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت