فهرس الكتاب

الصفحة 2985 من 3896

قَصَّرَ مَسَافَةَ رُؤْيَةِ الْمَرِيضَةِ لِيَكْثُرَ الْوَاجِبُ لَهُ، فَيُرَدَّدُ حَتَّى تَسْتَوِيَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ.

وَالْأَصْلُ فِي هَذَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ، مَا قَالَهُ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ بِعَيْنِهِ فَعُصِبَتْ، وَأَعْطَى رَجُلًا بَيْضَةً، فَانْطَلَقَ بِهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ، ثُمَّ أَمَرَ فَخُطَّ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِعَيْنِهِ فَعُصِبَتْ الْأُخْرَى، وَفُتِحَتْ الصَّحِيحَةُ، وَأَعْطَى رَجُلًا بَيْضَةً، فَانْطَلَقَ بِهَا وَهُوَ يُبْصِرُ حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ، ثُمَّ خُطَّ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ حُوِّلَ إلَى مَكَان آخَرَ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَدُوهُ سَوَاءً، فَأَعْطَاهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ بَصَرِهِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِذَا زَعَمَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّ بَصَرَهُ يَقِلُّ إذَا بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ، وَيَكْثُرُ إذَا قَرُبَتْ، وَأَمْكَنَ هَذَا فِي الْمُذَارَعَةِ، عُمِلَ عَلَيْهِ. وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: إنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ يُبْصِرُ إلَى مِائَةِ ذِرَاعٍ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبْصِرَ إلَى مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، احْتَاجَ لِلْمِائَةِ الثَّانِيَةِ إلَى ضِعْفَيْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْمِائَةِ الْأُولَى مِنْ الْبَصَرِ. فَعَلَى هَذَا، إذَا أَبْصَرَ بِالصَّحِيحَةِ إلَى مِائَتَيْنِ، وَأَبْصَرَ بِالْعَلِيلَةِ إلَى مِائَةٍ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ نَقَصَ ثُلُثَا بَصَرِ عَيْنِهِ ; فَيَجِبُ لَهُ ثُلُثَا دِيَتِهَا. وَهَذَا لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ فِي الْغَالِبِ، وَكُلُّ مَا لَا يَنْضَبِطُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ.

وَإِنْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ، فَنَدَرَتَا، أَوْ احْوَلَّتَا، أَوْ عَمِشَتَا، فَفِي ذَلِكَ حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَاعْوَجَّتْ. وَالْجِنَايَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْبَالِغِ وَالْعَاقِلِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْبَالِغَ خَصْمٌ لِنَفْسِهِ، وَالْخَصْمُ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَلِيُّهُمَا، فَإِذَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا لَمْ يَحْلِفَا، وَلَمْ يَحْلِفْ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ، حَلَفَا حِينَئِذٍ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا.

(6901) فَصْلٌ: وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. وَبِذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَقَتَادَةُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ مَسْرُوقٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ} . وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ} . يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ قَلَعَهُمَا وَاحِدٌ، أَوْ اثْنَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي وَقْتَيْنِ، وَقَالِعُ الثَّانِيَةِ قَالِعُ عَيْنِ أَعْوَرَ، فَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَةٌ، لَوَجَبَ فِيهِمَا دِيَةٌ وَنِصْفٌ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ مَعَ بَقَاءِ نَظِيرِهِ، ضُمِنَ بِهِ مَعَ ذَهَابِهِ، كَالْأُذُنِ.

وَيَحْتَمِلُ هَذَا كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ; لِقَوْلِهِ: وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ. وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَابْنَ عُمَرَ، قَضَوْا فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ بِالدِّيَةِ. وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ قَلْعَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ يَتَضَمَّنُ إذْهَابَ الْبَصَرِ كُلِّهِ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَهُ مِنْ الْعَيْنَيْنِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا مَا يَحْصُلُ بِالْعَيْنَيْنِ، فَإِنَّهُ يَرَى الْأَشْيَاءَ الْبَعِيدَةَ، وَيُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ اللَّطِيفَةَ، وَيَعْمَلُ أَعْمَالَ الْبُصَرَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا وَشَاهِدًا، وَيُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ وَفِي الْأُضْحِيَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَوْرَاءُ مَخْسُوفَةً، فَوَجَبَ فِي بَصَرِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَذَا فِي الْعَيْنَيْنِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ صَحَّ هَذَا، لَمْ يَجِبْ فِي إذْهَابِ بَصَرِ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ. قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ دِيَةِ الْعَيْنَيْنِ نَقْصُ دِيَةِ الثَّانِي ; بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَاحْوَلَّتَا، أَوْ عَمِشَتَا، أَوْ نَقَصَ ضَوْءُهُمَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَرْشُ النَّقْصِ، وَلَا تَنْقُصُ دِيَتُهُمَا بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ النَّقْصَ الْحَاصِلَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ أَحْكَامِهِ، وَلَا هُوَ مَضْبُوطٌ فِي تَفْوِيتِ النَّفْعِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ الدِّيَةِ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت