وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {: وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ} . رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي"مُوَطَّئِهِ". وَلِأَنَّ الْعَيْنَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ الْجَوَارِحِ نَفْعًا وَجَمَالًا ; فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا كَالْيَدَيْنِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا كَبِيرَتَيْنِ أَوْ صَغِيرَتَيْنِ، أَوْ مَلِيحَتَيْنِ أَوْ قَبِيحَتَيْنِ، أَوْ صَحِيحَتَيْنِ أَوْ مَرِيضَتَيْنِ، أَوْ حَوْلَاوَيْنِ أَوْ رَمِصَتَيْنِ. فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا بَيَاضٌ لَا يَنْقُصُ الْبَصَرَ، لَمْ تَنْقُصْ الدِّيَةُ، وَإِنْ نَقَصَ الْبَصَرَ نَقَصَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ.
وَفِي ذَهَابِ الْبَصَرِ الدِّيَةُ ; لِأَنَّ كُلَّ عُضْوَيْنِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِذَهَابِهِمَا، وَجَبَتْ بِإِذْهَابِ نَفْعِهِمَا، كَالْيَدَيْنِ إذَا أَشَلَّهُمَا. وَفِي ذَهَاب بَصَرِ أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدًا وَاحِدَةً، وَلَيْسَ فِي إذْهَابِهِمَا بِنَفْعِهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ، كَالْيَدَيْنِ.
(6899) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى عَلَى رَأْسِهِ جِنَايَةً ذَهَبَ بِهَا بَصَرُهُ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِهَا، فَدَاوَاهَا، فَذَهَبَ بِالْمُدَاوَاةِ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ. وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ، رُجِعَ إلَى اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ ; لِأَنَّ لَهُمَا طَرِيقًا إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، لَمُشَاهَدَتِهِمَا الْعَيْنَ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْبَصَرِ، وَمَعْرِفَةً بِحَالِهَا، بِخِلَافِ السَّمْعِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، أَوْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، اُعْتُبِرَ بِأَنْ يُوقَفَ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، وَيُقَرَّبَ الشَّيْءُ مِنْ عَيْنِهِ فِي أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ ; فَإِنْ طَرَفَ عَيْنَهُ، وَخَافَ مِنْ الَّذِي يُخَوَّفُ بِهِ، فَهُوَ كَاذِبٌ، وَإِلَّا حُكِمَ لَهُ. وَإِذَا عُلِمَ ذَهَابُ بَصَرِهِ، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: لَا يُرْجَى عَوْدُهُ. وَجَبَتْ الدِّيَةُ.
وَإِنْ قَالُوا: يُرْجَى عَوْدُهُ إلَى مُدَّةٍ عَيَّنُوهَا، اُنْتُظِرَ إلَيْهَا، وَلَمْ يُعْطَ الدِّيَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، فَإِنْ عَادَ الْبَصَرُ، سَقَطَتْ عَنْ الْجَانِي، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ، اسْتَقَرَّتْ الدِّيَةُ. وَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَوْدِ، اسْتَقَرَّتْ الدِّيَةُ، سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا. فَإِنْ ادَّعَى الْجَانِي عَوْدَ بَصَرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَأَنْكَرَ وَارِثُهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ. وَإِنْ جَاءَ أَجْنَبِيٌّ، فَقَلَعَ عَيْنَهُ فِي الْمُدَّةِ، اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْأَوَّلِ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْبَصَرَ فَلَمْ يَعُدْ، وَعَلَى الثَّانِي حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهُ أَذْهَبَ عَيْنًا لَا ضَوْءَ لَهَا، يُرْجَى عَوْدُهَا. وَإِنْ قَالَ الْأَوَّلُ: عَادَ ضَوْءُهَا. وَأَنْكَرَ الثَّانِي: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، فَإِنْ صَدَّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْأَوَّلَ، سَقَطَ حَقُّهُ عَنْهُ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الثَّانِي.
وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: يُرْجَى عَوْدُهُ، لَكِنْ لَا نَعْرِفُ لَهُ مُدَّةً. وَجَبَتْ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّ انْتِظَارَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ مُوجَبِ الْجِنَايَةِ، وَالظَّاهِرُ فِي الْبَصَرِ عَدَمُ الْعَوْدِ، وَالْأَصْلُ يُؤَيِّدُهُ، فَإِنْ عَادَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَاجِبِ سَقَطَ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، وَجَبَ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُ ; لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا.
(6900) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَنَقَصَ ضَوْءُ عَيْنَيْهِ، فَفِي ذَلِكَ حُكُومَةٌ. وَإِنَّ ادَّعَى نَقْصَ ضَوْئِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ. وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ إحْدَاهُمَا نَقَصَتْ، عُصِبَتْ الْمَرِيضَةُ، وَأُطْلِقَتْ الصَّحِيحَةُ، وَنُصِبَ لَهُ شَخْصٌ فَيُبَاعِدُ عَنْهُ، فَكُلَّمَا قَالَ: رَأَيْتُهُ. فَوَصَفَ لَوْنَهُ، عُلِمَ صِدْقُهُ، حَتَّى تَنْتَهِيَ، فَإِذَا انْتَهَتْ عُلِمَ مَوْضِعُهَا، ثُمَّ تُشَدُّ الصَّحِيحَةُ، وَتُطْلَقُ الْمَرِيضَةُ، وَيُنْصَبُ لَهُ شَخْصٌ، ثُمَّ يَذْهَبُ حَتَّى تَنْتَهِيَ رُؤْيَتُهُ، ثُمَّ يُدَارُ الشَّخْصُ إلَى جَانِبٍ آخَرَ، فَيُصْنَعُ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَعْلَمُهُ عِنْدَ الْمَسَافَتَيْنِ، وَيُذْرَعَانِ، وَيُقَابَلُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَتَا سَوَاءً، فَقَدْ صَدَقَ، وَيُنْظَرُ كَمْ بَيْنَ مَسَافَةِ رُؤْيَةِ الْعَلِيلَةِ وَالصَّحِيحَةِ، وَيُحْكَمُ لَهُ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَسَافَتَانِ، فَقَدْ كَذَبَ، وَعُلِمَ أَنَّهُ