فهرس الكتاب

الصفحة 2598 من 3896

وَلَنَا أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ مَا يُرِيدُهُ الْعَامِّيُّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَكَانَ عَارِفًا بِالْحِسَابِ وَقَعَ طَلْقَتَانِ وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ أَطْلَقَ لَمْ يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْإِيقَاعِ إنَّمَا هُوَ بِلَفْظِ الْوَاحِدَةِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ لَفْظُ الْإِيقَاعِ وَإِنَّمَا يَقَعُ الزَّائِدُ بِالْقَصْدِ فَإِذَا خَلَا عَنْ الْقَصْدِ لَمْ يَقَعْ إلَّا مَا أَوْقَعَهُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَقَوْلِنَا

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ الْحِسَابَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ وَاحِدَةً مَعَ اثْنَتَيْنِ ; لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا لَهُ مِسَاحَةٌ فَأَمَّا مَا لَا مِسَاحَةَ لَهُ فَلَا حَقِيقَةَ فِيهِ لِلْحِسَابِ وَإِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ الْإِيقَاعُ فِي وَاحِدَةٍ فَوَقَعَتْ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَنَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ فِي اصْطِلَاحِهِمْ لِاثْنَتَيْنِ فَإِذَا لَفَظَ بِهِ وَأَطْلَقَ وَقَعَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الِانْفِصَالُ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى نِيَّةٍ، فَأَمَّا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي وَضْعِ الْحِسَابِ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ صَارَ مُسْتَعْمَلًا فِي كُلِّ مَا لَهُ عَدَدٌ فَصَارَ حَقِيقَةً فِيهِ فَأَمَّا الْجَاهِلُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ فِي الْحِسَابِ إذَا أَطْلَقَ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْإِيقَاعِ إنَّمَا هُوَ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا صَارَ مَصْرُوفًا إلَى الِاثْنَتَيْنِ بِوَضْعِ أَهْلِ الْحِسَابِ وَاصْطِلَاحِهِمْ فَمَنْ لَا يَعْرِفُ اصْطِلَاحَهُمْ لَا يَلْزَمُهُ مُقْتَضَاهُ كَالْعَرَبِيِّ يَنْطِقُ بِالطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا.

وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ مِمَّنْ لَهُمْ عُرْفٌ فِي هَذَا اللَّفْظِ أَوَّلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ مِمَّنْ عُرْفُهُمْ أَنَّ"فِي"هَاهُنَا بِمَعْنَى"مَعَ"وَقَعَ بِهِ ثَلَاثٌ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِهِمْ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ إرَادَتُهُ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ كَلَامِهِ فَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُهُ مُقْتَضَاهُ كَالْعَرَبِيِّ يَنْطِقُ بِالطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَلَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مُوجَبَهُ فَلَمْ يَقْصِدْ إيقَاعَهُ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ قَصْدُ مَا لَا يَعْرِفُهُ.

(6065) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَلْ طَلْقَتَيْنِ وَقَعَ طَلْقَتَانِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَقَعُ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إيقَاعٌ فَلَا يَجُوزُ إيقَاعُ الْوَاحِدَةِ مَرَّتَيْنِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْقَعَهَا ثُمَّ أَرَادَ رَفْعَهَا وَأَوْقَعَ اثْنَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ فَتَقَعُ الثَّلَاثُ وَلَنَا أَنَّ مَا لَفَظَ بِهِ قَبْلَ الْإِضْرَابِ بَعْضُ مَا لَفَظَ بِهِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ وَقَوْلُهُمْ: لَا يَجُوزُ إيقَاعُ مَا أَوْقَعَهُ قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِوُقُوعِهِ مَعَ وُقُوعِ غَيْرِهِ فَلَا يَقَعُ الزَّائِدُ بِالشَّكِّ قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ: هِيَ وَاحِدَةٌ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ

وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقَعُ طَلْقَتَانِ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ رَفْعَ الْأُولَى وَإِيقَاعَ الثَّانِيَةِ فَلَمْ تَرْتَفِعْ الْأُولَى وَوَقَعَتْ الثَّانِيَةُ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمٌ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ كَذَا هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً أُخْرَى وَقَعَ اثْنَتَانِ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ إيقَاعَ طَلْقَتَيْنِ بِلَفْظَيْنِ فَوَقَعَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ ; أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا طَلْقَةٌ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِوَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ اثْنَتَيْنِ قَالَ أَحْمَدُ: وَلَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتَا جَمِيعًا

وَوَجْهُهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت