فهرس الكتاب

الصفحة 2254 من 3896

عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَهُوَ زَانٍ. قَالَ حَنْبَلٌ: ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ:

وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَقَدَ شَرْطَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ.

(5249) ; قَالَ: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَى سَيِّدِهِ خُمْسَا الْمَهْرِ. كَمَا قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ الْخُمْسَانِ قِيمَتَهُ، فَلَا يَلْزَمُ سَيِّدَهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ يُسَلِّمُهُ. فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ فُصُولٍ: (5250) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ، وَلَهُ حَالَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَدْخُلَ بِهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ بَاطِلٌ، فَلَا نُوجِبُ بِمُجَرَّدِهِ شَيْئًا، كَالْبَيْعِ الْبَاطِلِ.

وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، لَا نُوجِبُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُصِيبَهَا، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ. رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ. وَرَوَى عَنْهُ حَنْبَلٌ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ. وَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي عَدَمِ الصَّدَاقِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ

رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ إذَا تَزَوَّجَ مَمْلُوكٌ لِابْنِ عُمَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، جَلَدَهُ الْحَدَّ، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إنَّك أَبَحْت فَرْجَك. وَأَبْطَلَ صَدَاقَهَا. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةً مُطَاوِعَةً فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ مَهْرٌ، كَالْمُطَاوِعَةِ عَلَى الزِّنَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا إذَا كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ، فَأَمَّا إنْ جَهِلَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، فَلَهَا الْمَهْرُ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا فِي الْحَالِ، بَلْ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ ; لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ لَزِمَهُ بِرِضَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ، فَكَانَ مَحَلُّهُ الذِّمَّةَ، كَالدَّيْنِ

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَهْرَ وَاجِبٌ ; لِقَوْلِهِ: عَلَيْهِ السَّلَامُ {أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا.} وَهَذَا قَدْ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا، فَيَكُونُ مَهْرُهَا عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَ الْبُضْعِ بِاسْمِ النِّكَاحِ، فَكَانَ الْمَهْرُ وَاجِبًا، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ.

(5251) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَهْرَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، يُبَاعُ فِيهِ إلَّا بِفِدْيَةِ السَّيِّدِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا احْتِمَالًا آخَرَ: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; إلَّا أَنَّ الْوَطْءَ أُجْرِيَ مُجْرَى الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الْمَهْرُ هَاهُنَا، وَفِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، وَلَوْ لَمْ تَجْرِ مَجْرَاهَا مَا وَجَبَ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(5252) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الْمَهْرِ خُمْسَاهُ. وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَمِلَ بِهِ أَبُو مُوسَى. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا إنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَلَهَا خُمْسَا الْمَهْرِ، وَإِذَا لَمْ تَعْلَمْ فَلَهَا الْمَهْرُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ. وَعَنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْمَهْرَ، فَأَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ بِكَمَالِهِ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَفِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ. وَوَجْهُ الْأُولَى مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خِلَاسٍ، أَنَّ غُلَامًا لِأَبِي مُوسَى تَزَوَّجَ بِمَوْلَاةِ تِيجَانَ التَّيْمِيِّ، بِغَيْرِ إذْنِ أَبِي مُوسَى، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُثْمَانُ، أَنْ فَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَخُذْ لَهَا الْخُمْسَيْنِ مِنْ صَدَاقِهَا. وَكَانَ صَدَاقُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ.

وَلِأَنَّ الْمَهْرَ أَحَدُ مُوجِبِي الْوَطْءِ، فَجَازَ أَنْ يَنْقُصَ الْعَبْدُ فِيهِ عَنْ الْحُرِّ كَالْحَدِّ فِيهِ ; أَوْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي النِّكَاحِ، فَيَنْقُصَ الْعَبْدُ، كَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت