فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 3896

فِي مَكَانِهِمْ، إذْ لَيْسَتْ إحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى.

وَإِنْ أَحَبُّوا السَّعْيَ إلَيْهَا، جَازَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا فِي مَكَانِهِمْ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ. فَإِنْ سَعَى بَعْضُهُمْ فَنَقَصَ عَدَدُ الْبَاقِينَ، لَزِمَهُمْ السَّعْيُ ; لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ الْقَرِيبُ مِصْرًا، فَهُمْ مُخَيَّرُونَ أَيْضًا بَيْنَ السَّعْيِ إلَى الْمِصْرِ، وَبَيْنَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي مَكَانِهِمْ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.

ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ السَّعْيَ يَلْزَمُهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عُذْرٌ فَيُصَلُّونَ جُمُعَةً. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ جُمُعَةُ أَهْلِ الْمِصْرِ، فَكَانَ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَكَانِهِمْ، كَمَا لَوْ سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ قَرْيَةٍ أُخْرَى، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى يُقِيمُونَ الْجُمَعَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ الْمِصْرِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.

(1385) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْمِصْرِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ، فَجَاءَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، فَأَقَامُوا الْجُمُعَةَ فِي الْمِصْرِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ غَيْرُ مُسْتَوْطِنِينَ فِي الْمِصْرِ، وَأَهْلُ الْمِصْرِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ لِقِلَّتِهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ لَزِمَ أَهْلَ الْمِصْرِ السَّعْيُ إلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَقَلُّ مِنْ فَرْسَخٍ، فَلَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا، كَمَا يَلْزَمُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ السَّعْيُ إلَى الْمِصْرِ إذَا أُقِيمَتْ بِهِ وَكَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ.

وَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ، لَمْ يَجُزْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

(1386) فَصْلٌ: وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ.

وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ مُسَافِرٍ يَسْمَعُ أَذَانَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ أَسْرَجَ دَابَّتَهُ، فَقَالَ: لِيَمْضِ فِي سَفَرِهِ ; لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: الْجُمُعَةُ لَا تَحْبِسُ عَنْ سَفَرٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، لَا يُصْحَبُ فِي سَفَرِهِ، وَلَا يُعَانُ عَلَى حَاجَتِهِ} رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَادِ. وَهَذَا وَعِيدٌ لَا يَلْحَقُ بِالْمُبَاحِ.

وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِمَا يَمْنَعُ مِنْهَا، كَاللَّهْوِ، وَالتِّجَارَةِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِهِ وَعَائِشَةَ، أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ السَّفَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَتُعَارِضُ قَوْلَهُ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى السَّفَرِ قَبْلَ الْوَقْتِ.

(1387) فَصْلٌ: وَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا، الْمَنْعُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَالثَّانِيَةَ، الْجَوَازُ: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تَجِبْ، فَلَمْ يَحْرُمْ السَّفَرُ كَاللَّيْلِ.

وَالثَّالِثَةَ، يُبَاحُ لِلْجِهَادِ دُونَ غَيْرِهِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَّهَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ، فَتَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا خَلَّفَكَ ؟ قَالَ: الْجُمُعَةُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قَالَ: غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قَالَ: فَرَاحَ مُنْطَلِقًا.} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي"الْمُسْنَدِ".

وَالْأَوْلَى الْجَوَازُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِيئَةٌ مِنْ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ إمْكَانُ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ كَمَا قَبْلَ يَوْمِهَا. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَمْنَعُ السَّفَرَ، وَيُخْتَلَفُ فِيمَا قَبْلَهُ، زَوَالُ الشَّمْسِ. وَلَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي بَيْنَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَمَا بَعْدَهُ. وَلَعَلَّهُ بَنَى عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ الْعِيدِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَهَا رُخْصَةٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ الْمَنْعِ، كَتَقْدِيمِ الْآخِرَةِ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت