مُصْحَفٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ. وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَدَعُ شَيْئًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ إلَّا نَزَعَهُ، لَا سَيْفًا وَلَا مُصْحَفًا. رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا يُكْتَبُ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ قَلْبَ الْمُصَلِّي، وَرُبَّمَا اشْتَغَلَ بِقِرَاءَتِهِ عَنْ صَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ تَزْوِيقُهَا، وَكُلُّ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ {: اذْهَبُوا بِهَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي. وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ {: أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَك، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَا أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْعِصْمَةِ وَالْخُشُوعِ، يَشْغَلُهُ ذَلِكَ، فَغَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ أَوْلَى.
(1216) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَأَمَامَهُ امْرَأَةٌ ; تُصَلِّي ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ} . فَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا يُكْرَهُ ; لِخَبَرِ عَائِشَةَ. وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي صَلَاةٍ. وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَافِرٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ ; لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَجَسٌ.
(1217) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ. قَالَ الْأَثْرَمُ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يُصَلِّي بِمَكَّةَ، وَلَا يَسْتَتِرُ بِشَيْءٍ ؟ فَقَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى ثَمَّ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ سُتْرَةٌ. قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا، كَأَنَّ مَكَّةَ مَخْصُوصَةٌ. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى كَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ الْمُطَّلَبِ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حِيَالَ الْحِجْرِ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمُطَّلَبِ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ، جَاءَ حَتَّى يُحَاذِيَ الرُّكْنَ بَيْنَهُ وَبَيْنِ السَّقِيفَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ أَحَدٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ: رَأَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ جَاءَ يُصَلِّي، وَالطَّوَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، تَمُرُّ الْمَرْأَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَنْتَظِرهَا حَتَّى تَمُرَّ، ثُمَّ يَضَعُ جَبْهَتَهُ فِي مَوْضِعِ قَدَمِهَا. رَوَاهُ حَنْبَلٌ، فِي كِتَابِ"الْمَنَاسِكِ".
وَقَالَ الْمُعْتَمِرُ، قُلْت لِطَاوُسٍ: الرَّجُلُ يُصَلِّي - يَعْنِي بِمَكَّةَ - فَيَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ؟ فَقَالَ: أُوَلًا يَرَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَإِذَا هُوَ يَرَى أَنَّ لِهَذَا الْبَلَدِ حَالًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ قَضَاءِ نُسُكِهِمْ، وَيَزْدَحِمُونَ فِيهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بَكَّةَ، لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَاكَوْنَ فِيهَا، أَيْ: يَزْدَحِمُونَ وَيَدْفَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَوْ مَنَعَ الْمُصَلِّي مَنْ يَجْتَازُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَحُكْمُ الْحَرَمِ كُلِّهِ حُكْمُ مَكَّةَ فِي هَذَا، بِدَلِيلِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ مَحِلُّ الْمَشَاعِرِ وَالْمَنَاسِكِ، فَجَرَى مَجْرَى مَكَّةَ فِي مَا ذَكَرْنَاهُ.