تَعَلَّلَ بِكَوْنِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي سَطْحِهَا. فَأَمَّا إنْ بَنَى عَلَى طَرِيقٍ سَابَاطًا أَوْ أُخْرِجَ عَلَيْهِ خُرُوجًا، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّرِيقِ، لِمَا ذَكَرَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَعَلَى قَوْلِنَا، إنْ كَانَ السَّابَاطُ مُبَاحًا لَهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، أَوْ مُسْتَحِقًّا لَهُ، أَوْ حَدَثَ الطَّرِيقُ بَعْدَهُ، فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، فَيَكُونُ الْمُصَلِّي فِيهِ كَالْمُصَلِّي فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ. عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ كَانَ السَّابَاطُ عَلَى نَهْرٍ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، فَهُوَ كَالسَّابَاطِ عَلَى الطَّرِيقِ، فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا.
وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ تَابِعًا لِلْقَرَارِ، لَجَازَتْ الصَّلَاةُ هَاهُنَا، لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي سَفِينَةٍ، أَوْ لَوْ جَمَدَ مَاؤُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، صَحَّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا ذَكَرَهُ لَصَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَا حَاذَى مَيْمَنَةَ الطَّرِيقِ وَمَيْسَرَتَهَا، وَمَا لَا تَقْرَعُهُ الْأَقْدَامُ مِنْهَا، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ السَّطْحُ جَارِيًا عَلَى مَوْضِعِ النَّهْيِ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ سَابِقًا، وَجُعِلَ تَحْتَهُ طَرِيقٌ أَوْ عَطَنٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ. أَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْبَرَةٍ فَحَدَثَتْ الْمَقْبَرَةُ حَوْلَهُ، لَمْ تَمْتَنِعْ الصَّلَاةُ فِيهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(963) فَصْلٌ: وَإِنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي الْمَقْبَرَةِ بَيْنَ الْقُبُورِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَقْبَرَةِ. وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ: أَنَّ أَنَسًا مَرَّ عَلَى مَقْبَرَةٍ، وَهُمْ يَبْنُونَ فِيهَا مَسْجِدًا، فَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ فِي وَسَطِ الْقُبُورِ.
(964) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا. وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِصَلَاةِ النَّفْلِ، فَكَانَ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ، كَخَارِجِهَا. وَلَنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} . وَالْمُصَلِّي فِيهَا أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا، وَالنَّافِلَةُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ، بِدَلِيلِ صَلَاتِهَا قَاعِدًا، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
(965) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَى ظَهْرِهَا. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ.
إلَّا أَنَّهُ إنْ صَلَّى تِلْقَاءَ الْبَابِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُتَّصِلٌ بِهَا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ شَاخِصٌ، أَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ آجُرٌّ مُعَبَّأٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ، أَوْ خَشْبٌ غَيْرُ مَسْمُورٍ فِيهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ مَسْمُورًا وَالْآجُرُّ مَبْنِيًّا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لَهَا. وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ شَيْءٍ مِنْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِهَا وَهَوَائِهَا، دُونَ حِيطَانِهَا، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْهَدَمْت الْكَعْبَةُ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ إلَى مَوْضِعِهَا، وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَتِهَا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ إلَى هَوَائِهَا، كَذَا هَاهُنَا.
(966) فَصْلٌ: وَفِي الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ، تَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهَا،