كَمَا لَوْ صَلَّى وَهُوَ يَرَى غَرِيقًا، يُمْكِنُهُ إنْقَاذُهُ، فَلَمْ يُنْقِذْهُ، أَوْ حَرِيقًا يَقْدِرُ عَلَى إطْفَائِهِ، فَلَمْ يُطْفِئْهُ، أَوْ مَطَلَ غَرِيمَهُ الَّذِي يُمْكِنُ إيفَاؤُهُ وَصَلَّى.
وَلَنَا أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَصَلَاةِ الْحَائِضِ وَصَوْمِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْفِعْلِ، وَاجْتِنَابَهُ، وَالتَّأْثِيمَ بِفِعْلِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُطِيعًا بِمَا هُوَ عَاصٍ بِهِ، مُمْتَثِلًا بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، مُتَقَرِّبًا بِمَا يَبْعُدُ بِهِ، فَإِنَّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ مِنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْعَالٌ اخْتِيَارِيَّةٌ، هُوَ عَاصٍ بِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْحَرِيقَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْ الصَّلَاةِ، إنَّمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِإِطْفَاءِ الْحَرِيقِ، وَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ، وَبِالصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا آكَدُ مِنْ الْآخَرِ، أَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ غَصْبِهِ لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ بِأَخْذِهَا، أَوْ دَعْوَاهُ مِلْكِيَّتَهَا، وَبَيْنَ غَصْبِهِ مَنَافِعَهَا، بِأَنْ يَدَّعِيَ إجَارَتَهَا ظَالِمًا، أَوْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لِيَسْكُنَهَا مُدَّةً أَوْ يُخْرِجَ رَوْشَنًا أَوْ سَابَاطًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ لَهُ، أَوْ يَغْصِبَ رَاحِلَةً وَيُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَوْ سَفِينَةً وَيُصَلِّيَ فِيهَا، أَوْ لَوْحًا فَيَجْعَلَهُ فِي سَفِينَةٍ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، كُلُّ ذَلِكَ حُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ حُكْمُ الدَّارِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
(967) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ: تُصَلَّى الْجُمُعَةُ فِي الْمَوْضِعِ الْغَصْبِ.
يَعْنِي لَوْ كَانَ الْجَامِعُ أَوْ مَوْضِعٌ مِنْهُ مَغْصُوبًا صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْجُمُعَةَ، تَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ، فَإِذَا صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، فَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ، فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَتْ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَالْمُبْتَدِعَةِ، وَكَذَلِكَ تَصِحُّ فِي الطُّرُقِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجِنَازَةِ.
(968) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ: أَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِي أَرْضِ الْخَسْفِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ مَرَّ بِالْحِجْرِ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(969) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الْكَنِيسَةِ النَّظِيفَةِ، رَخَّصَ فِيهَا الْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ الْكَنَائِسَ ; مِنْ أَجْلِ الصُّوَرِ. وَلَنَا {، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَفِيهَا صُوَرٌ} ، ثُمَّ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ}
(970) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ نَجِسَةً، فَطَيَّنَهَا بِطَاهِرٍ، أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا، صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهَا مَدْفِنُ النَّجَاسَةِ، فَأَشْبَهَتْ الْمَقْبَرَةَ. وَلَنَا أَنَّ الطَّهَارَةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَمَوْضِعِ صَلَاتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْعِلَّةَ فِي