قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ ضُرُوبٌ مِنْ الْخَطَأِ وَالِاضْطِرَابِ، مَعَ مُخَالِفَةِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ. وَأَشَارَ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا إنْكَارُهُمْ لِلْقُرْعَةِ، فَقَدْ جَاءَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ} .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ; فَقَالَ أَحْمَدُ: فِي الْقُرْعَةِ خَمْسُ سُنَنٍ ; أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ. وَأَقْرَعَ فِي سِتَّةِ مَمْلُوكِينَ. وَقَالَ لِرَجُلَيْنِ:"اسْتَهِمَا"وَقَالَ: {مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْمُدَاهِنِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ.} وَقَالَ {لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ} . وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ صَفِيَّةَ جَاءَتْ بِثَوْبَيْنِ ; لِيُكَفَّنَ فِيهَا حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَجَدْنَا إلَى جَنْبِهِ قَتِيلًا، فَقُلْنَا: لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ، وَلِلْأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ. فَوَجَدْنَا أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ أَوْسَعَ مِنْ الْآخَرَ، فَأَقْرَعْنَا عَلَيْهِمَا، ثُمَّ كَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ فِي الثَّوْبِ الَّذِي صَارَ لَهُ، وَتَشَاحَّ النَّاسُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي الْأَذَانِ، فَأَقْرَعِ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا فِي الْقِسْمَةِ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي أَنَّ الرَّجُلَ يَقْرَعُ بَيْنَ نِسَائِهِ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُنَّ، وَإِذَا أَرَادَ الْبِدَايَةَ بِالْقِسْمَةِ بَيْنَهُنَّ، وَبَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ إذَا تَسَاوَوْا وَتَشَاحُّوا فِي مَنْ يَتَوَلَّى التَّزْوِيجَ أَوْ مَنْ يَتَوَلَّى اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَأَشْبَاهَ هَذَا.
(8611) فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ بِالْخَوَاتِيمِ. أَقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي ثَوْبٍ، فَأَخْرَجَ خَاتَمَ هَذَا ثُمَّ قَالَ: يَخْرُجُونَ بِالْخَوَاتِيمِ، ثُمَّ تُدْفَعُ إلَى رَجُلٍ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا وَاحِدًا. قَالَ أَحْمَدُ بِأَيِّ شَيْءٍ خَرَجَتْ مِمَّا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَقَعَ الْحُكْمُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ رِقَاعًا أَوْ خَوَاتِيمَ. قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ: الْأَوْلَى أَنْ يَقْطَعَ رِقَاعًا صِغَارًا مُتَسَاوِيَةً، ثُمَّ تُلْقَى فِي حِجْرِ رَجُلٍ لَمْ يَحْضُرْ، أَوْ يُغَطَّى عَلَيْهَا بِثَوْبٍ، ثُمَّ يُقَالَ لَهُ: أَدْخِلْ يَدَك، وَأَخْرِجْ بُنْدُقَةً. فَيَنْفُضُهَا وَيَعْلَمُ مَا فِيهَا وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَفِي كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ وَالْعِتْقِ سِتُّ مَسَائِلَ ; (8612) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَنْ يُعْتِقَ عَدَدًا مِنْ الْعَبِيدِ، لَهُمْ ثُلُثٌ صَحِيحٌ. كَثَلَاثَةٍ أَوْ سِتَّةٍ أَوْ تِسْعَةٍ، وَقِيمَتُهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَيُخْرِجُونَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، جُزْءًا لِلْحُرِّيَّةِ، وَجُزْأَيْنِ لِلرِّقِّ، وَتُكْتَبُ ثَلَاثُ رِقَاعٍ، فِي وَاحِدَةٍ حُرِّيَّةٌ، وَفِي اثْنَيْنِ رِقٌّ، وَيُتْرَكُ فِي ثَلَاثَةِ بَنَادِقَ، وَتُغَطَّى بِثَوْبٍ، وَيُقَالُ لِرَجُلٍ لَمْ يَحْضُرْ: أَخْرِجْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْجُزْءِ.
فَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ، عَتَقَ، وَرَقَّ الْجُزْءَانِ الْآخَرَانِ، وَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ رِقٍّ، رَقَّ، وَأُخْرِجَتْ أُخْرَى عَلَى جُزْءٍ آخَرَ، فَإِنْ خَرَجَتْ رُقْعَةُ الْحُرِّيَّةِ، عَتَقَ وَرَقَّ الْجُزْءُ الثَّالِثُ، وَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الرِّقِّ، رَقَّ، وَعَتَقَ الْجُزْءُ الثَّالِثُ ; لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَعَيَّنَتْ فِيهِمْ. وَإِنْ شِئْت كَتَبْت اسْمَ كُلِّ جُزْءٍ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ أَخْرَجْت رُقْعَةً عَلَى الْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا خَرَجَتْ رُقْعَةٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ الْمُسَمَّوْنَ فِيهَا، وَرَقَّ الْبَاقُونَ، وَإِنْ خَرَجَتْ رُقْعَةٌ عَلَى، الرِّقِّ، رَقَّ الْمُسَمَّوْنَ فِيهَا، ثُمَّ تُخْرِجُ أُخْرَى عَلَى الرِّقِّ، فَيَرِقُّ الْمُسَمَّوْنَ فِيهَا، وَيَعْتِقُ الْجُزْءُ الثَّالِثُ، وَإِنْ أَخْرَجْت الثَّانِيَةَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، عَتَقَ الْمُسَمَّوْنَ فِيهَا، دُونَ الثَّالِثِ. (8613) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، أَنْ تُمْكِنَ قِسْمَتُهُمْ أَثْلَاثًا، وَقِيمَتُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، يُمْكِنُ تَعْدِيلُهُمْ بِالْقِيمَةِ، كَسِتَّةٍ ; قِيمَةُ