فهرس الكتاب

الصفحة 3687 من 3896

فِي مَوْضِعِ الْوِفَاقِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا أَدْعُهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ.

وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ} . فَحَصَرَهَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: {الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ} . فَجَعَلَ جِنْسَ الْيَمِينِ فِي جَنْبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَمَا جَعَلَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي. وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدِمَ ابْنُ عُمَرَ إلَى عُثْمَانَ فِي عَبْدٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: احْلِفْ أَنَّك مَا بِعْته وَبِهِ عَيْبٌ عَلِمْته. فَأَبَى ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ، فَرَدَّ الْعَبْدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي.

وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ فِي الْمَالِ، فَحُكِمَ فِيهَا بِالنُّكُولِ، كَمَا لَوْ مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَوَجَدَ الْإِمَامُ فِي دَفْتَرِهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ، فَطَالَبَهُ بِهِ، فَأَنْكَرَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْيَمِينَ، فَأَنْكَرَهُ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُرَدُّ. وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا، أَنَّهُ يُقْضَى بِالنُّكُولِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ، يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَتَّى يُقِرَّ، أَوْ يَحْلِفَ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ وَصَّى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، وَنَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ، قُضِيَ عَلَيْهِمْ.

وَالْخَبَرُ لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ، وَمُخَالَفَةُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ فِي الْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَلَا رَدَّهَا عُثْمَانُ. فَعَلَى هَذَا، إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: إنْ حَلَفْت، وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك. ثَلَاثًا، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، يَقُولُ لَهُ: لَك رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي. فَإِنْ رَدَّهَا، حَلَفَ، وَقُضِيَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، سُئِلَ عَنْ سَبَبِ نُكُولِهِ، فَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا، أَوْ حِسَابٌ أَسْتَثْبِتُهُ، لِأَحْلِفَ عَلَى مَا أَتَيَقَّنُهُ. أَخَّرَتْ الْحُكُومَةُ. وَإِنْ قَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ. سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْيَمِينِ، فَلَوْ بَذَلَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ هَذَا، لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ، إلَى أَنْ يَعُودَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ.

فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ، ثُمَّ بَذَلَهَا، سُمِعَتْ مِنْهُ، فَلِمَ مَنَعْتُمْ سَمَاعَهَا هَاهُنَا ؟ قُلْنَا: الْيَمِينُ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هِيَ الْأَصْلُ، فَمَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا، أَوْ بَذَلَهَا، وَجَبَ قَبُولُهَا، وَالْمَصِيرُ إلَيْهَا، كَالْمُبْدَلَاتِ مَعَ أَبْدَالِهَا، وَأَمَّا يَمِينُ الْمُدَّعِي، فَهِيَ بَدَلٌ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا، لَمْ يَنْتَقِلْ الْحَقُّ إلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا ; لِضَعْفِهَا.

وَأَمَّا إذَا حَلَفَ، وَقُضِيَ لَهُ، فَعَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبَذَلَ الْيَمِينَ، لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ، وَهَكَذَا لَوْ بَذَلَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، لَمْ يُسْمَعْ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ، فَلَا يُنْقَضُ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ. فَأَمَّا غَيْرُ الْمَالِ، وَمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، فَلَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْقِصَاصِ. وَنُقِلَ عَنْهُ، فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَهُ، فَقَالَ: اسْتَحْلِفُوهُ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَحْلِفُ. أُقِيمَ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا بِالنُّكُولِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَالْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ.

وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْضِي بِالنُّكُولِ فِي الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَأَشْبَهَ النَّوْعَ الْآخَرَ. فَعَلَى هَذَا، مَا يُصْنَعُ بِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يُخْلَى سَبِيلُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ، وَتَكُونُ فَائِدَةُ شَرْعِيَّةِ الْيَمِينِ الرَّدْعَ وَالزَّجْرَ. وَالثَّانِي، يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ. وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ الْمَرْأَةُ إذَا نَكَلَتْ عَنْ اللِّعَانِ.

(8442) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أُعِيدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُزِيلُ حُكْمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت