فَلَوْ كُلِّفَ فَجَحَدَ ذَلِكَ كَانَ كَاذِبًا، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ ادَّعَى الرَّدَّ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، فَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ الْيَمِينُ، حَلَفَ عَلَى حَسَبِ مَا أَجَابَ.
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّنِي ابْتَعْت مِنْك الدَّارَ الَّتِي فِي يَدِك، فَأَنْكَرَهُ، وَطَلَبَ يَمِينَهُ، نَظَرْنَا فِي جَوَابِهِ ; فَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّك لَا تَسْتَحِقُّهَا. حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا ابْتَاعَهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَبْتَاعُهَا مِنْهُ ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ. وَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّك لَمْ تَبْتَعْهَا مِنِّي. حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ، فَأَنْكَرَهُ، هَلْ يَحْلِفُ: مَا أَوْدَعْتنِي ؟ قَالَ: إذَا حَلَفَ: مَالَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَا لَك فِي يَدِي شَيْءٌ. فَهُوَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ عَلَى حَسَبِ الْجَوَابِ، وَأَنَّهُ مَتَى حَلَفَ: مَالَكَ قِبَلِي حَقٌّ. بَرِئَ بِذَلِكَ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
(8440) فَصْلٌ: وَلَا تَدْخُلُ الْيَمِينَ النِّيَابَةُ، وَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، لَمْ يُحْلَفْ عَنْهُ وَوُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيَعْقِلَ الْمَجْنُونُ، وَلَمْ يَحْلِفْ عَنْهُ وَلِيُّهُ. وَلَوْ ادَّعَى الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ حَقًّا، أَوْ ادَّعَاهُ الْوَصِيَّ أَوْ الْأَمِينُ لَهُ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ لَمْ يَرَ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ، وَرَأَى رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي ; لَمْ يَحْلِفْ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا، وَلَكِنْ تَقِفُ الْيَمِينُ، وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ مَحْضَرًا بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْعَبْدِ دَعْوَى، نَظَرْت ; فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ، كَالْقِصَاصِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْقَذْفِ، فَالْخُصُومَةُ مَعَهُ دُونَ سَيِّدِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي هَذَا. أَحْلِفْ الْعَبْدُ دُونَ سَيِّدِهِ، وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَحْلِفْ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فِيهِ، كَإِتْلَافِ مَالٍ، أَوْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ الْمَالَ، فَالْخَصْمُ السَّيِّدُ، وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْلِفُ الْعَبْدُ فِيهَا بِحَالٍ.
(8441) فَصْلٌ: وَإِذَا نَكَلَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَنْهَا، وَقَالَ: لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا، أَوْ حِسَابٌ أَسْتَثْبِتُهُ، لِأَحْلِفَ عَلَى مَا أَتَيَقَّنُ. فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ جُعِلَ نَاكِلًا. وَقِيلَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ نُكُولًا، وَيُمْهَلُ مُدَّةً قَرِيبَةً. وَإِنْ قَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ. أَوْ سَكَتَ، فَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا نَظَرْنَا فِي الْمُدَّعَى ; فَإِنْ كَانَ مَالًا أَوْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالَ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، وَلَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: أَنَا لَا أَرَى رَدَّ الْيَمِينِ، إنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْهِ حَقَّهُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّ لَهُ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، إنْ رَدَّهَا حَلَفَ الْمُدَّعِي، وَحُكِمَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ. قَالَ وَقَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ، فَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ.: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَالِكٌ فِي الْمَالِ خَاصَّةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى ; لِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ {، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ} . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ; وَلِأَنَّهُ إذَا نَكَلَ ظَهَرَ صِدْقُ الْمُدَّعِي، وَقَوِيَ جَانِبُهُ، فَتُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ، كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ نُكُولِهِ، وَكَالْمُدَّعِي إذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّ النُّكُولَ قَدْ يَكُونُ لَجَهْلِهِ بِالْحَالِ، وَتَوَرُّعِهِ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ، أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ، أَوْ تَرَفُّعًا عَنْهَا، مَعَ عِلْمِهِ بِصِدْقِهِ فِي إنْكَارِهِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ بِنُكُولِهِ صِدْقُ الْمُدَّعِي، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَإِذَا حَلَفَ كَانَتْ يَمِينُهُ دَلِيلًا عِنْدَ عَدَمِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا، كَمَا