وَأَنْشَدَهُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَصِيدَةَ:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ
فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْتَدِحَك. فَقَالَ: قُلْ، لَا يَفْضُضْ اللَّهُ فَاكَ.
فَأَنْشُدَهُ:
مِنْ قَبْلِهَا طِبْت فِي الظِّلَالِ وَفِي مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ
وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قِيلَ لَهُ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْأَنْصَارِ، إلَّا وَقَدْ قَالَ الشِّعْرَ. قَالَ: وَأَنَا قَدْ قُلْت:
يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا مَا أَرَادَا يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِيِّ وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا
وَلَيْسَ فِي إبَاحَةِ الشِّعْرِ خِلَافٌ، وَقَدْ قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَالِاسْتِشْهَادِ بِهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَتَعَرُّفِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى النَّسَبِ، وَالتَّارِيخِ، وَأَيَّامِ الْعَرَبِ. وَيُقَالُ: الشِّعْرُ دِيوَانُ الْعَرَبِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ: مَعْنَى يَرِيَهُ: يَأْكُلُ جَوْفَهُ، يُقَالُ: وَرَاهُ يَرِيهِ، قَالَ الشَّاعِرُ
: وَرَاهُنَّ رَبِّي مِثْلُ مَا قَدْ وَرَيْنَنِي وَأَحْمِي عَلَى أَكْبَادِهِنَّ الْمُكَاوِيَا
قُلْنَا: أَمَّا الْآيَةُ، فَالْمُرَادُ بِهَا مَنْ أَسْرَفَ وَكَذَبَ ; بِدَلِيلِ وَصْفِهِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} .
ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: {إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} . وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الشُّعَرَاءِ قِلَّةُ الدِّينِ، وَالْكَذِبُ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَهِجَاءُ الْأَبْرِيَاءِ، سِيَّمَا مَنْ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، مِمَّنْ يَهْجُو الْمُسْلِمِينَ، وَيَهْجُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَعِيبُ الْإِسْلَامَ، وَيَمْدَحُ الْكُفَّارَ، فَوَقَعَ الذَّمُّ عَلَى الْأَغْلَبِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْعَلُ الْخِصَالَ الْمَذْمُومَةَ، فَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ، وَمَدْحِ أَهْلِهِ الْمُتَّصِفِينَ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ ; فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنْ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَا