وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى تَحْرِيمِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: فِي مَنْ مَاتَ وَخَلَّفَ وَلَدًا يَتِيمًا، وَجَارِيَةً مُغَنِّيَةً، فَاحْتَاجَ الصَّبِيُّ إلَى بَيْعِهَا، تُبَاعُ سَاذَجَةً. قِيلَ لَهُ: إنَّهَا تُسَاوِي مُغَنِّيَةً ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَتُسَاوَيْ سَاذَجَةً عِشْرِينَ دِينَارًا. قَالَ: لَا تُبَاعُ إلَّا عَلَى أَنَّهَا سَاذَجَةٌ. وَاحْتَجُّوا عَلَى تَحْرِيمِهِ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} . قَالَ: الْغِنَاءُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} ، قَالَ: هُوَ الْغِنَاءُ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْمُغَنِّيَاتِ، وَبَيْعِهِنَّ، وَالتِّجَارَةِ فِيهِنَّ، وَأَكْلُ أَثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ} . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ} . وَالصَّحُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، مَنْ اتَّخَذَ الْغِنَاءَ صِنَاعَةً، يُؤْتِي لَهُ، وَيَأْتِي لَهُ، أَوْ اتَّخَذَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً مُغَنِّينَ، يَجْمَعُ عَلَيْهِمَا النَّاسَ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ ; لِأَنَّ هَذَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُحَرِّمْهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَسُقُوطُ مُرُوءَةٍ، وَمَنْ حَرَّمَهُ فَهُوَ مَعَ سَفَهِهِ عَاصٍ. مُصِرٌّ مُتَظَاهِرٌ بِفُسُوقِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَإِنْ كَانَ لَا يُنْسِبُ نَفْسَهُ إلَى الْغِنَاءِ، وَإِنَّمَا يَتَرَنَّمُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُغَنِّي لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَ غُلَامُهُ وَجَارِيَتُهُ إنَّمَا يُغَنِّيَانِ لَهُ، انْبَنَى هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ.
فَمَنْ أَبَاحَهُ أَوْ كَرِهَهُ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ حَرَّمَهُ، قَالَ: إنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، كَسَائِرِ الصَّغَائِرِ، وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ. وَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمَا لَا يَشْتَهِرُ بِهِ مِنْهُ، كَسَائِرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ. وَمَنْ كَانَ يَغْشَى بُيُوتَ الْغِنَاءِ، أَوْ يَغْشَاهُ الْمُغَنُّونَ لِلسَّمَاعِ مُتَظَاهِرًا بِذَلِكَ، وَكَثُرَ مِنْهُ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ; لِأَنَّهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ. وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا بِهِ، فَهُوَ كَالْمُغَنِّي لِنَفْسِهِ، عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ.
(8367) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحِدَاءُ، وَهُوَ الْإِنْشَادُ الَّذِي تُسَاقُ بِهِ الْإِبِلُ، فَمُبَاحٌ، لَا بَأْسَ بِهِ فِي فِعْلِهِ وَاسْتِمَاعِهِ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَيِّدَ الْحِدَاءِ، وَكَانَ مَعَ الرِّجَالِ، وَكَانَ أَنْجَشَةُ مَعَ النِّسَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ رَوَاحَةَ: حَرِّكْ بِالْقَوْمِ. فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ، فَتَبِعَهُ أَنْجَشَةُ، فَأَعْنَقَتْ الْإِبِلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنْجَشَةَ: رُوَيْدَكَ، رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ} .
يَعْنِي النِّسَاءَ. وَكَذَلِكَ نَشِيدُ الْأَعْرَابِ، وَهُوَ النَّصْبُ، لَا بَأْسَ بِهِ، وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْإِنْشَادِ، مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْغِنَاءِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ إنْشَادَ الشِّعْرِ، فَلَا يُنْكِرُهُ. وَالْغِنَاءُ، مِنْ الصَّوْتِ، مَمْدُودٌ مَكْسُورٌ. وَالْغِنَى، مِنْ الْمَالِ، مَقْصُورٌ. وَالْحِدَاءُ، مَضْمُومٌ مَمْدُودٌ، كَالدُّعَاءِ وَالرِّعَاءِ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ، كَالنِّدَاءِ وَالْهِجَاءِ وَالْغِذَاءِ.
(8368) فَصْلٌ: وَالشِّعْرُ كَالْكَلَامِ ; حَسَنُهُ كَحَسَنِهِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكَمًا} ، {وَكَانَ يَضَعُ لَحَسَّانَ مِنْبَرًا يَقُومُ عَلَيْهِ، فَيَهْجُو مَنْ هَجَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ} .