فهرس الكتاب

الصفحة 3605 من 3896

وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُوَلِّي وَيَعْزِلُ، فَعَزَلَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ عَنْ وِلَايَتِهِ فِي الشَّامِ، وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: أَمِنْ جُبْنٍ عَزَلْتنِي، أَوْ خِيَانَةٍ ؟ قَالَ: مِنْ كُلٍّ لَا، وَلَكِنْ أَرَدْت رَجُلًا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ.

وَعَزَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ.

وَقَدْ كَانَ يُوَلِّي بَعْضَ الْوُلَاةِ الْحُكْمَ مَعَ الْإِمَارَةِ، فَوَلَّى أَبَا مُوسَى الْبَصْرَةَ قَضَاءَهَا وَإِمْرَتَهَا.

ثُمَّ كَانَ يَعْزِلُهُمْ هُوَ، وَمَنْ لَمْ يَعْزِلْهُ، عَزَلَهُ عُثْمَانُ بَعْدَهُ إلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ. فَعَزْلُ الْقَاضِي أَوْلَى، وَيُفَارِقُ عَزْلَهُ بِمَوْتِ مَنْ وَلَّاهُ أَوْ عَزَلَهُ ; لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهَا هُنَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْزِلُ قَاضِيًا حَتَّى يُوَلِّيَ آخَرَ مَكَانَهُ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ الْوَالِي بِمَوْتِ الْإِمَامِ، وَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ.

وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي عَزْلِهِ بِالْمَوْتِ أَيْضًا وَجْهَيْنِ، وَالْأَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مَا ذَكَرْنَاهُ.

فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي ; بِفِسْقٍ، أَوْ زَوَالِ عَقْلٍ، أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْقَضَاءِ، أَوْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ عَزْلُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا.

(8291) فَصْلٌ: وَلِلْإِمَامِ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَّى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْقَضَاءَ، وَوَلَّى عَلِيًّا وَمُعَاذًا.

وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لِابْنِ عُمَرَ: إنَّ أَبَاك قَدْ كَانَ يَقْضِي وَهُوَ خَيْرٌ مِنْك. قَالَ: إنَّ أَبِي قَدْ كَانَ يَقْضِي، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، سَأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، فِي كِتَابِ"قُضَاةِ الْبَصْرَةِ".

وَرَوَى سَعِيدٌ، فِي"سُنَنِهِ"عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. قَالَ {: جَاءَ خَصْمَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا عَمْرُو، اقْضِ بَيْنَهُمَا. قُلْت: أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إنْ أَصَبْت الْقَضَاءَ بَيْنَهُمَا، فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْت، فَلَكَ حَسَنَةٌ} وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مِثْلُهُ.

وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَشْتَغِلُ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ.

فَإِذَا وَلَّى قَاضِيًا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ، جَازَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ بِإِذْنِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، كَالْوَكِيلِ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَلَهُ الِاسْتِخْلَافُ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، كَالْوَكِيلِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ.

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْقَضَاءِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، جَازَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ، وَيُفَارِقُ التَّوْكِيلَ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ يُوَلِّي الْقَضَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُوَلِّ.

(8292) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيًا عُمُومَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ، فَيُقَلِّدَهُ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، فَيَنْفُذَ حُكْمَهُ فِيمَنْ سَكَنَهُ، وَمَنْ أَتَى إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سُكَّانِهِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهُ خُصُوصَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ، فَيَقُولَ: جَعَلْت إلَيْك الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً، فِي جَمِيعِ وِلَايَتِي.

وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ حُكْمَهُ فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: اُحْكُمْ فِي الْمِائَةِ فَمَا دُونَهَا. فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا.

وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ، وَخُصُوصَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ وَثَلَاثَةً فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، يَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَمَلًا، فَيُوَلِّيَ أَحَدَهُمْ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ، وَالْآخَرَ الْحُكْمَ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت