الْمُدَايَنَاتِ، وَآخَرَ النَّظَرَ فِي الْعَقَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُمُومَ النَّظَرِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ، فَإِنْ قَلَّدَ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَمَلًا وَاحِدًا، فِي مَكَان وَاحِدٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَجُوزُ.
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إيقَافِ الْحُكْمِ وَالْخُصُومَاتِ، لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَيَرَى أَحَدُهُمَا مَا لَا يَرَى الْآخَرُ. وَالْآخَرُ، يَجُوزُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَهُوَ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَيَكُونَ فِيهَا قَاضِيَانِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَاضِيَانِ أَصْلِيَّانِ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَإِيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَهَذَا يَحْصُلُ، فَأَشْبَهَ الْقَاضِيَ.
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَالْإِمَامُ أَوْلَى، لِأَنَّ تَوْلِيَتَهُ أَقْوَى. وَقَوْلُهُمْ: يُفْضِي إلَى إيقَافِ الْحُكُومَاتِ. غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّ كُلَّ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ إلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ، وَلَا نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا خَالَفَ اجْتِهَادَهُ.
(8293) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَدْ وَلَّيْته. لَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَهَا عَلَى شَرْطٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ أَحَدًا مِنْهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَنْعَقِدَ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ} .
فَعَلَّقَ وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ عَلَى شَرْطٍ، فَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْحُكْمِ. وَإِنْ قَالَ: وَلَّيْت فُلَانًا وَفُلَانًا، فَأَيُّهُمَا نَظَرَ فَهُوَ خَلِيفَتِي. انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُ عَقَدَ الْوِلَايَةَ لَهُمَا جَمِيعًا.
(8294) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} . وَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ، وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ. فَإِنْ قَلَّدَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، بَطَلَ الشَّرْطُ، وَفِي فَسَادِ التَّوْلِيَةِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
(8295) فَصْلٌ: وَإِنْ فَوَّضَ الْإِمَامُ إلَى إنْسَانٍ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ جَازَ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ، فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ، كَالْبَيْعِ. وَإِنْ فَوَّضَ إلَيْهِ اخْتِيَارَ قَاضٍ، جَازَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اخْتِيَارُ نَفْسِهِ، وَلَا وَالِدِهِ، وَلَا وَلَدِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ، وَلَا دَفْعُهُ إلَى هَذَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَجُوزَ لَهُ اخْتِيَارُهُمَا، إذَا كَانَا صَالِحَيْنِ لِلْوِلَايَةِ ; لِأَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي عُمُومِ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الِاخْتِيَارِ مِنْهُ، مَعَ أَهْلِيَّتِهِمَا، فَأَشْبَهَا الْأَجَانِبَ.
(8296) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حُكُومَةٌ مَعَ بَعْضِ النَّاسِ، جَازَ أَنْ يُحَاكِمَهُ إلَى بَعْضِ خُلَفَائِهِ، أَوْ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ ; فَإِنَّ عُمَرَ حَاكَمَ أُبَيًّا إلَى زَيْدٍ، وَحَاكَمَ رَجُلًا عِرَاقِيًّا إلَى شُرَيْحٍ، وَحَاكَمَ عَلِيٌّ الْيَهُودِيَّ إلَى شُرَيْحٍ، وَحَاكَمَ عُثْمَانُ طَلْحَةَ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، فَإِنْ عَرَضَتْ حُكُومَةٌ لِوَالِدَيْهِ، أَوْ وَلَدِهِ، أَوْ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ فِيهَا بِنَفْسِهِ، وَإِنْ حَكَمَ، لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، فَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لَهُ كَنَفْسِهِ. وَالثَّانِي، يَنْفُذُ حُكْمُهُ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ