فهرس الكتاب

الصفحة 3592 من 3896

عَلَيْهِ. وَإِذَا تَقَدَّمَ الثَّانِي، فَادَّعَى عَلَى الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ، أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأَوَّلِ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا.

وَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ، أَوْ جَمَاعَةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ; لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ، وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ، كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِقَاعٍ، وَتَرَكَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ رُقْعَةً رُقْعَةً، وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، وَيُقَدِّمُ صَاحِبَهَا حَسَبَ مَا يَتَّفِقُ.

(8274) فَصْلٌ: فَإِنْ حَضَرَ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ، وَكَانَ الْمُسَافِرُونَ قَلِيلًا، بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ تَقْدِيمُهُمْ عَلَى الْمُقِيمِينَ، قَدَّمَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ عَلَى جَنَاحِ السَّفَرِ، يَشْتَغِلُونَ بِمَا يَصْلُحُ لِلرَّحِيلِ، وَقَدْ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ الصَّوْمَ وَشَطَرَ الصَّلَاةَ تَحْقِيقًا عَنْهُمْ، وَفِي تَأْخِيرِهِمْ ضَرَرٌ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَ لَهُمْ يَوْمًا يَفْرُغُ مِنْ حَوَائِجِهِمْ فِيهِ، وَإِنْ شَاءَ قَدَّمَهُمْ مِنْ غَيْرِ إفْرَادِ يَوْمٍ لَهُمْ.

فَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا، بِحَيْثُ يَضُرُّ تَقْدِيمُهُمْ، فَهُمْ وَالْمُقِيمُونَ سَوَاءٌ، لِأَنَّ تَقْدِيمَهُمْ مَعَ الْقِلَّةِ، إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ فَإِذَا آلَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ إلَى الضَّرَرِ بِغَيْرِهِمْ، تَسَاوَوْا. وَلَا خِلَافَ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْآدَابِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْقَضَاءِ، فَلَوْ قَدَّمَ الْمَسْبُوقَ، أَوْ قَدَّمَ الْحَاضِرِينَ، أَوْ نَحْوَهُ، كَانَ قَضَاؤُهُ صَحِيحًا.

(8275) فَصْلٌ: وَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ خَصْمَانِ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ: مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؟ لِأَنَّهُمَا حَضَرَا لِذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ، وَيَقُولُ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ: مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؟ إنْ سَكَتَا جَمِيعًا. وَلَا يَقُولُ الْحَاكِمُ وَلَا صَاحِبُهُ لِأَحَدِهِمَا: تَكَلَّمْ. لِأَنَّ فِي إفْرَادِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلًا لَهُ، وَتَرْكًا لِلْإِنْصَافِ.

قَالَ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ: شَهِدْت شُرَيْحًا إذَا جَلَسَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ يَقُولُ: أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي فَلْيَتَكَلَّمْ ؟ وَإِنْ ذَهَبَ الْآخَرُ يَشْغَبُ، غَمَزَهُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُدَّعِي، ثُمَّ يَقُولُ: تَكَلَّمْ. فَإِنْ بَدَأَ أَحَدُهُمَا، فَادَّعَى، فَقَالَ خَصْمُهُ: أَنَا الْمُدَّعِي. لَمْ يَلْتَفِتْ الْحَاكِمُ إلَيْهِ، وَقَالَ: أَجِبْ عَنْ دَعْوَاهُ، ثُمَّ ادَّعِ بَعْدُ مَا شِئْت.

فَإِنْ ادَّعَيَا مَعًا، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، كَالْمَرْأَتَيْنِ إذَا زُفَّتَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَقِيلَ: يُرْجَأُ أَمْرُهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا.

وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي الْقَضِيَّتَيْنِ مَعًا، وَإِرْجَاءُ أَمْرِهِمَا إضْرَارٌ بِهِمَا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَفْعٌ الضَّرَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَهُ نَظِيرٌ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرْعِ، فَكَانَ أَوْلَى.

(8276) فَصْلٌ: وَلَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً، إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ ; لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمَّا ادَّعَاهُ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ لَزِمَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ تَلْزَمَهُ مَجْهُولَةً وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارَ ; فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِهِ إثْبَاتَهُ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ الدَّعْوَى فِي الْوَصِيَّةِ مَجْهُولَةً ; لِأَنَّهَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً ; فَإِنَّهُ لَوْ وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ أَوْ سَهْمٍ صَحَّ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدَّعِيَهَا إلَّا مَجْهُولَةً كَمَا ثَبَتَ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ، لَمَّا صَحَّ أَنْ يُقِرَّ بِمَجْهُولٍ، صَحَّ لِخَصْمِهِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَجْهُولٍ.

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى أَثْمَانًا، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ; الْجِنْسُ، وَالنَّوْعُ، وَالْقَدْرُ، فَيَقُولَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت