فهرس الكتاب

الصفحة 3554 من 3896

فَصْلٌ: إذَا صَامَ شَهْرًا مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ، أَجْزَأَهُ، نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا ; لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ شَهْرٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ} .

وَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ، لَزِمَهُ شَهْرٌ بِالْعَدَدِ، ثَلَاثُونَ يَوْمًا ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ} . فَإِنْ صَامَ شَوَّالًا، لَزِمَهُ إكْمَالُهُ ثَلَاثِينَ ; لِأَنَّهُ بَدَأَ مِنْ أَثْنَائِهِ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، قَضَى يَوْمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ تَامًّا أَتَمَّ يَوْمًا وَاحِدًا. وَإِنْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ أَفْطَرَ يَوْمَ الْأَضْحَى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ، كَمَا لَوْ أَفْطَرْت الْمَرْأَةُ بِحَيْضٍ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَيَقْضِي أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ إنْ كَانَ تَامًّا، وَخَمْسَةً إنْ كَانَ نَاقِصًا.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا الْأَرْبَعَةُ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ; لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، فَيَقْضِي الْمَتْرُوكَ مِنْهُ لَا غَيْرُ. وَلَوْ صَامَ شَهْرًا مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ، فَمَرِضَ فِيهِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً، أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِ ثُمَّ طَهُرَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ، قَضَى مَا أَفْطَرَ مِنْهُ بِعِدَّتِهِ إنْ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِيَوْمٍ آخَرَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ; بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي فِطْرِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

(8205) فَصْلٌ: وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ، وَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، فَيُجْزِئَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَهُ بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ.

وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ. وَالثَّانِي، لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ; لِأَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَعَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.

فَأَمَّا إنْ نَذَرَ صِيَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ فِيهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ: يَصُومُهَا مُتَتَابِعَةً. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ. وَحَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى مَنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ أَوْ نَوَاهُ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْعَشَرَةِ لَا يَقْتَضِي تَتَابُعًا، وَالنَّذْرُ لَا يَقْتَضِيهِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي نَذْرِ الْعَشَرَةِ، دُونَ الثَّلَاثِينَ ; لِأَنَّ الثَّلَاثِينَ شَهْرٌ، فَلَوْ أَرَادَ التَّتَابُعَ لَقَالَ: شَهْرًا. فَعُدُولُهُ إلَى الْعَدَدِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ التَّفْرِيقِ، بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، فَإِنَّ عَدَمَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى إرَادَةِ التَّتَابُعِ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} . وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْرِيقَهَا وَلَا تَتَابُعَهَا، وَلَمْ يَجِبْ التَّتَابُعُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ.

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ، وَلَا يَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ ; لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَالصَّوْمُ يَتَخَلَّلُهُ اللَّيْلُ، فَيَفْصِلُ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ، وَلِذَلِكَ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت