السَّنَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ. وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُطْلَقَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ صَوْمُ سَنَةٍ مُتَتَابِعَةٍ أَوْ لَا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ السَّنَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَتَابِعَةِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُعَيَّنَةِ، فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الْعِيدَانِ وَلَا رَمَضَانُ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ، أَتَمَّ أَحَدَ عَشَرِ شَهْرًا بِالْهِلَالِ، إلَّا شَهْرَ شَوَّالٍ، فَإِنَّهُ يُتِمُّهُ بِالْعَدَدِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ مِنْ أَوَّلِهِ، وَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ، أَتَمَّ ذَلِكَ الشَّهْرَ بِالْعَدَدِ، وَالْبَاقِيَ بِالْهِلَالِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَلْزَمُهُ مُتَابَعَةٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْمُتَفَرِّقَةَ تُسَمَّى سَنَةً، فَيَتَنَاوَلُهَا نَذْرُهُ، فَيَلْزَمُهُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ، إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ صَامَهَا بِالْعَدَدِ. وَإِنْ ابْتَدَأَ الشَّهْرَ مِنْ أَثْنَائِهِ، أَتَمَّهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَإِنَّمَا لَزِمَهُ هَاهُنَا اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ النَّذْرِ عَلَى سَنَةٍ لَيْسَ فِيهَا رَمَضَانُ، وَلَا الْأَيَّامُ الَّتِي لَا يَجُوزُ صِيَامُهَا، فَجُعِلَ نَذْرُهُ عَلَى مَا يَنْعَقِدُ فِيهِ النَّذْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ السَّنَةَ، وَهَذَا كَمَنْ عَيَّنَ سِلْعَةً بِالْعَقْدِ، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْدَالُهَا، وَلَوْ وَصَفَهَا ثُمَّ وَجَدَهَا مَعِيبَةً، مَلَكَ إبْدَالَهَا، وَيُتِمُّ شَوَّالًا بِالْعَدَدِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدَأْهُ مِنْ أَوَّلِهِ.
وَإِنْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ مِنْ أَوَّلِهِ، قَضَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا ; لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ نَاقِصًا قَضَى خَمْسَةً لِيُكْمِلَهُ ثَلَاثِينَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ الشَّهْرَ كُلَّهُ، فَأَشْبَهَ شَوَّالًا. وَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ، صَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُعَيَّنَةِ.
(8203) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا، وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَمَرِضَ فِي بَعْضِهِ، فَإِذَا عُوفِيَ، بَنَى، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَإِنْ أَحَبَّ أَتَى بِشَهْرٍ مُتَتَابِعٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا نَذَرَتْ صِيَامَ شَهْرٍ مُتَتَابِعٍ، وَحَاضَتْ فِيهِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ.
أَحَدُهُمَا، أَنْ يُفْطِرَ لِعُذْرٍ ; مِنْ حَيْضٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِمَا، فَهَذَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صِيَامِهِ وَيُكَفِّرَ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِالْكَفَّارَةِ، لِعَجْزِهَا عَنْ الْمَشْيِ ; وَلِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ مُتَتَابِعًا، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَتَابِعًا، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ لَهُ الْبِنَاءُ هَاهُنَا ; لِأَنَّ الْفِطْرَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ حُكْمًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ مِنْ عُذْرٍ، كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ، فَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ، فَهَلْ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَقْطَعُهُ ; لِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَقْطَعُهُ ; لِأَنَّهُ عُذْرٌ فِي فِطْرِ رَمَضَانَ، فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ. وَالثَّانِي، أَنْ يُفْطِرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الصِّيَامِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّتَابُعَ الْمَنْذُورَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، مَعَ إمْكَانِ الْإِتْيَانِ بِهِ.
فَلَزِمَهُ فِعْلُهُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُعَيَّنًا فَصَامَ قَبْلَهُ. وَبِهَذَا الْفَصْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، إلَّا فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُهَا فِي الْمَنْذُورِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا دَلِيلَ وُجُوبِهَا