فَإِنْ كَانَتْ صَلَابَةُ الْهَدَفِ كَصَلَابَةِ الْغَرَضِ، فَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ، اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مَكَانَهُ لَثَبَتَ فِيهِ، كَثُبُوتِهِ فِي الْهَدَفِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مَعَ التَّسَاوِي، لَمْ يُحْتَسَبْ. وَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ أَصْلَبَ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ، أَوْ كَانَ رِخْوًا، لَمْ يُحْتَسَبْ السَّهْمُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ هَلْ كَانَ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ بَقِيَ مَكَانَهُ أَوَّلًا ؟ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِالسَّهْمِ الَّذِي وَقَعَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي هَلْ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ لَا ؟ وَإِنْ وَقَعَ السَّهْمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْغَرَضِ، اُحْتُسِبَ بِهِ عَلَى رَامِيهِ ; لِأَنَّهُ خَطَأٌ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْغَرَضِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَارَ إلَيْهِ، حُسِبَ عَلَيْهِ أَيْضًا، لَا لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا اتَّفَقَا عَلَى رَمْيِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَارَ إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا أَلْقَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ عَلَى وَجْهِهِ.
(7933) فَصْلٌ: وَإِذَا رَمَى فَأَخْطَأَ لِعَارِضٍ ; مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ، أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ، أَوْ حَيَوَانٍ اعْتَرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَرُدُّ السَّهْمَ عَرْضًا، لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ السَّهْمِ ; لِأَنَّ خَطَأَهُ لِلْعَارِضِ، لَا لِسُوءِ رَمْيِهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ أَصَابَ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ، وَلِأَنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَصْرِفَ الرَّمْيَ الشَّدِيدَ فَيُخْطِئَ، يَجُوزُ أَنْ تَصْرِفَ السَّهْمَ الْمُخْطِئَ عَنْ خَطَئِهِ فَيَقَعَ مُصِيبًا، فَتَكُونَ إصَابَتُهُ بِالرِّيحِ، لَا بِحِذْقِ رَمْيِهِ.
فَأَمَّا إنْ وَقَعَ السَّهْمُ فِي حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ، فَمَرَقَهُ، وَأَصَابَ الْغَرَضَ حُسِبَ لَهُ ; لِأَنَّ إصَابَتَهُ لِسَدَادِ رَمْيِهِ، وَمُرُوقَهُ لِقُوَّتِهِ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَتْ الرِّيحُ لَيِّنَةً خَفِيفَةً، لَا تَرُدُّ السَّهْمَ عَادَةً، لَمْ يُمْنَعْ ; لِأَنَّ الْجَوَّ لَا يَخْلُو مِنْ رِيحٍ، وَلِأَنَّ الرِّيحَ اللَّيِّنَةَ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي الرَّمْيِ الرَّخْوِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
(7934) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ، وَالْخَاسِقُ: مَا ثَقَبَ الْغَرَضَ، وَثَبَتَ فِيهِ. فَمَتَى أَصَابَ الْغَرَضَ بِنَصْلِهِ، وَثَبَتَ فِيهِ، حُسِبَ لَهُ، وَإِنْ خَدَشَهُ وَلَمْ يَثْقُبْهُ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ، وَحُسِبَ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَرَقَ مِنْهُ اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ رَمْيِهِ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْخَاسِقِ، وَإِنْ خَرَقَهُ، وَهُوَ أَنْ يَثْقُبَهُ، وَيَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يُحْتَسَبُ لَهُ ; لِأَنَّهُ ثَقَبَ ثَقْبًا يَصْلُحُ لِلْخَسْقِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ السَّهْمُ لِسَبَبٍ آخَرَ، مِنْ سَعَةِ الثَّقْبِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يُحْتَسَبُ لَهُ ; لِأَنَّ شَرْطَهُمَا الْخَوَاسِقُ، وَالْخَاسِقُ مَا ثَبَتَ، وَثُبُوتُهُ يَكُونُ بِحِذْقِ الرَّامِي، وَقَصْدِهِ بِرَمْيِهِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُ السَّهْمِ مِنْ الثُّبُوتِ لِمُصَادَفَتِهِ مَا يَمْنَعُ الثُّبُوتَ ; مِنْ حَصَاةٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ عَظْمٍ، أَوْ أَرْضٍ غَلِيظَةٍ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ، لَمْ يُعَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَارِضَ مَنَعَهُ مِنْ الثُّبُوتِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَنَعَهُ عَارِضٌ مِنْ الْإِصَابَةِ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْعَارِضِ، نَظَرْت، فَإِنْ عُلِمَ مَوْضِعُ الثَّقْبِ بِاتِّفَاقِهِمَا أَوْ بِبَيِّنَةٍ، نُظِرَ فِي الْمَوْضِعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي، وَلَا يَمِينَ ; لِأَنَّ الْحَالَ تَشْهَدُ بِصِدْقِ مَا ادَّعَاهُ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مَوْضِعَ الثَّقْبِ، إلَّا أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ خَرَقَ الْغَرَضَ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ شَيْءٌ يَمْنَعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ بِغَيْرِ يَمِينٍ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ. وَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ مَا يَمْنَعُ، وَادَّعَى الْمُصَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ السَّهْمُ فِي مَوْضِعٍ وَرَاءَهُ مَا يَمْنَعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِصَابَةِ مَعَ احْتِمَالِ مَا يَقُولُهُ الْمُصِيبُ. وَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ خَرَقَ أَيْضًا، فَالْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ.