فَصْلٌ: الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَا: أَيُّنَا أَصَابَ خَمْسًا مِنْ عِشْرِينَ، فَهُوَ سَابِقٌ. فَمَتَى أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسًا مِنْ الْعِشْرِينَ، وَلَمْ يُصِبْهَا الْآخَرُ، فَالْأَوَّلُ سَابِقٌ، وَإِنْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا، أَوْ لَمْ يُصِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَمْسًا، فَلَا سَابِقَ فِيهِمَا. وَهَذِهِ فِي مَعْنَى الْمُحَاطَّةِ، فِي أَنَّهُ يَلْزَمُ إتْمَامُ الرَّشْقِ مَا كَانَ فِي إِتْمَامِهِ فَائِدَة، فَإِذَا خَلَا عَنْ الْفَائِدَةِ، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ. وَمَتَى أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمَا سَابِقٌ. إنْ رَمَيَا سِتَّ عَشْرَةَ رَمْيَةً، وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ، وَلَا سَابِقَ فِيهِمَا ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا الْأَرْبَعَةَ كُلَّهَا، وَلَا يَحْصُلُ السَّبْقُ بِذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّمْيِ، هَلْ هُوَ مُبَادَرَةٌ أَوْ مُحَاطَّةٌ أَوْ مُفَاضَلَةٌ ؟ لِأَنَّ غَرَضَ الرُّمَاةِ يَخْتَلِفُ ; فَمِنْهُمْ مَنْ تَكْثُرُ إصَابَتُهُ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الِانْتِهَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ بِالْعَكْسِ، فَوَجَبَ بَيَانُ ذَلِكَ، لِيُعْلَمَ مَا دَخَلَ فِيهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى النِّضَالِ الْمُبَادَرَةُ، وَأَنَّ مَنْ بَادَرَ إلَى الْإِصَابَةِ فَهُوَ السَّابِقُ ; فَإِنَّهُ إذَا شُرِطَ أَنَّ السَّبْقَ لِمَنْ أَصَابَ خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ، فَسَبَقَ إلَيْهَا وَاحِدٌ، فَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
(7919) فَصْلٌ فَإِنْ شَرَطَا إصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنْ الْهَدَفِ، عَلَى أَنْ يَسْقُطَ مَا قَرُبَ مِنْ إصَابَةِ أَحَدِهِمَا مَا بَعُدَ مِنْ إصَابَةِ الْآخَرِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ فَضَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِمَا شَرَطَاهُ، كَانَ سَابِقًا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْمُحَاطَّةِ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ شِبْرٌ، وَأَصَابَ الْآخَرُ مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ أَقَلُّ مِنْ شِبْرٍ، أَسْقَطَ الْأَوَّلَ، وَأَنْ أَصَابَ الْأَوَّلُ الْغَرَضَ، أَسْقَطَ الثَّانِيَ، فَإِنْ أَصَابَ الثَّانِي الدَّائِرَةَ الَّتِي فِي الْغَرَضِ، لَمْ يُسْقِطْ بِهِ الْأَوَّلَ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ كُلَّهُ مَوْضِعٌ لِلْإِصَابَةِ، فَلَا يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إذَا أَصَابَاهُ جَمِيعًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا ذَلِكَ. وَإِنْ شَرَطَا إنْ يَحْسِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَاسِقَهُ بِإِصَابَتَيْنِ، جَازَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَفْضُلْ صَاحِبَهُ فِي شَيْءٍ، فَقَدْ اسْتَوَيَا.
(7920) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا غَرَضَانِ يَرْمِيَانِ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ يَمْضِيَانِ إلَيْهِ، فَيَأْخُذَانِ السِّهَامَ يَرْمِيَانِ الْآخَرَ ; لِأَنَّ هَذَا كَانَ فِعْلَ أَصْحَابِ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {: مَا بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ، الْجَنَّةِ} وَقَالَ إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: رَأَيْت حُذَيْفَةَ يَشْتَدُّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ يَقُولُ: أَنَا بِهَا، أَنَا بِهَا. فِي قَمِيصٍ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَالْهَدَفُ مَا يُنْصَبُ الْغَرَضُ عَلَيْهِ ; إمَّا تُرَابٌ مَجْمُوعٌ، وَإِمَّا حَائِطٌ. وَيُرْوَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ، يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا. فَإِنْ جَعَلُوا غَرَضًا وَاحِدًا، جَازَ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ، وَهُوَ عَادَةُ أَهْلِ عَصْرِنَا. وَلَا بُدَّ فِي الْمُنَاضَلَةِ أَنْ يَبْتَدِئَ أَحَدُهُمَا بِالرَّمْيِ، لِأَنَّهُمَا لَوْ رَمَيَا مَعًا، أَفْضَى إلَى الِاخْتِلَافِ، وَلَمْ يُعْرَفْ الْمُصِيبُ مِنْهُمَا. فَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ أَجْنَبِيًّا، قُدِّمَ مَنْ يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَتَشَاحَّا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَأَيُّهُمَا كَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ فَبَدَرَهُ