فهرس الكتاب

الصفحة 3233 من 3896

يَشْرِطَ النِّصْفَ، فَإِنْ زَادَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَلْيَفِ لَهُمْ بِهِ، وَيَجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ. وَإِنَّمَا زِيدَ فِي الرَّجْعَةِ عَلَى الْبَدَاءَةِ فِي النَّفْلِ ; لِمَشَقَّتِهَا، فَإِنَّ الْجَيْشَ فِي الْبَدَاءَةِ رِدْءٌ لِلسَّرِيَّةِ، تَابِعٌ لَهَا، وَالْعَدُوُّ خَائِفٌ، وَرُبَّمَا كَانَ غَارًّا، وَفِي الرَّجْعَةِ لَا رِدْءَ لِلسَّرِيَّةِ ; لِأَنَّ الْجَيْشَ مُنْصَرِفٌ عَنْهُمْ، وَالْعَدُوَّ مُسْتَيْقِظٌ كَلِبٌ.

قَالَ أَحْمَدُ: فِي الْبَدَاءَةِ إذَا كَانَ ذَاهِبًا الرُّبُعُ، وَفِي الْقَفْلَةِ إذَا كَانَ فِي الرُّجُوعِ الثُّلُثُ ; لِأَنَّهُمْ يَشْتَاقُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ، فَهَذَا أَكْبَرُ. الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يُنَفِّلَ الْإِمَامُ بَعْضَ الْجَيْشِ ; لِغَنَائِهِ وَبَأْسِهِ وَبَلَائِهِ، أَوْ لِمَكْرُوهٍ تَحَمَّلَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ. قَالَ أَحْمَدُ: فِي الرَّجُلِ يَأْمُرُهُ الْأَمِيرُ يَكُونُ طَلِيعَةً، أَوْ عِنْدَهُ، يَدْفَعُ إلَيْهِ رَأْسًا مِنْ السَّبْيِ أَوْ دَابَّةً، قَالَ: إذَا كَانَ رَجُلٌ لَهُ غَنَاءٌ، وَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُمْ، يُحَرَّضُ هُوَ وَغَيْرُهُ، يُقَاتِلُونَ وَيَغْنَمُونَ. وَقَالَ: إذَا نَفَّذَ الْإِمَامُ صَبِيحَةَ الْمَغَارِ الْخَيْلَ، فَيُصِيبُ بَعْضُهُمْ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ، فَلِلْوَالِي أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاءُوا بِشَيْءٍ دُونَ هَؤُلَاءِ.

وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُ إعْطَاءَ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. وَحُجَّةُ هَذَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّهُ قَالَ: أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّبَعْتهمْ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. وَعَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ فَبَيَّتْنَا عَدُوَّنَا، فَقَتَلْت لَيْلَتئِذٍ تِسْعَةَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ وَأَخَذْت مِنْهُمْ امْرَأَةً، فَنَفَلَنِيهَا أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا قَدِمْت الْمَدِينَةَ، اسْتَوْهَبَهَا مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَهَبْتهَا لَهُ} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ يَقُولَ الْأَمِيرُ: مَنْ طَلَعَ هَذَا الْحِصْنَ، أَوْ هَدَمَ هَذَا السُّورَ، أَوْ نَقَبَ هَذَا النَّقْبَ، أَوْ فَعَلَ كَذَا، فَلَهُ كَذَا. أَوْ: مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ، فَلَهُ كَذَا. فَهَذَا جَائِزٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ: مَنْ جَاءَ بِعَشْرِ دَوَابَّ، أَوْ بَقَرٍ، أَوْ غَنَمٍ، فَلَهُ وَاحِدٌ.

فَمَنْ جَاءَ بِخَمْسَةٍ أَعْطَاهُ نِصْفَ مَا قَالَ لَهُمْ، وَمَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ أَعْطَاهُ بِقَدْرِهِ. قِيلَ لَهُ: إذَا قَالَ: مَنْ جَاءَ بِعِلْجٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا. فَجَاءَ بِعِلْجٍ، يَطِيبُ لَهُ مَا يُعْطَى ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَرِهَ مَالِكٌ هَذَا الْقَسْمَ، وَلَمْ يَرَهُ، وَقَالَ: قِتَالُهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إنَّمَا هُوَ لِلدُّنْيَا. وَقَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ: لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ} . إلَّا بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ.

وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبٍ، وَعُبَادَةَ، وَمَا شَرَطَهُ عُمَرُ، لِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ} . وَلِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً وَتَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ، فَجَازَ، كَاسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ، وَزِيَادَةِ السَّهْمِ لِلْفَارِسِ، وَاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَقَوْلُهُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا جَعَلَ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ.

قُلْنَا: قَوْلُهُ ذَلِكَ ثَابِتُ الْحُكْمِ فِيمَا يَأْتِي مِنْ الْغَزَوَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا كَالْمَشْرُوطِ فِي أَوَّلِ الْغَزَاةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَجُوزُ هَذَا، إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ، فَاعْتُبِرَتْ الْحَاجَةُ فِيهِ، كَأُجْرَةِ الْحَمَّالِ وَالْحَافِظِ.

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ النَّفَلَ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت