وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، وَإِنْ سَفَلَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ، وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الْقَطْعُ عَلَى كُلِّ سَارِقٍ، بِظَاهِرِ الْكِتَابِ، إلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ فَيُسْتَثْنَى.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك} . وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ} . وَفِي لَفْظٍ:"فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ". وَلَا يَجُوزُ قَطْعُ الْإِنْسَانِ بِأَخْذِ مَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَخْذِهِ، وَلَا أَخْذِ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالًا لَهُ مُضَافًا إلَيْهِ ; وَلِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَأَعْظَمُ الشُّبُهَاتِ أَخْذُ الرَّجُلِ مِنْ مَالٍ جَعَلَهُ الشَّرْعُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ
وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِهِمْ، جَمِيعًا، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ فِيهِ. وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ يُقْطَعُ ; لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَلَنَا مَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: شَهِدْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَقَدْ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ بِغُلَامٍ لَهُ، فَقَالَ: إنَّ غُلَامِي هَذَا سَرَقَ، فَاقْطَعْ يَدَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا سَرَقَ ؟ قَالَ: سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَتِي، ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا. فَقَالَ: أَرْسِلْهُ، لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ. وَلَكِنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِهِ قُطِعَ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: مَالُكُمْ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ، فَقَالَ: عَبْدٌ لِي سَرَقَ قَبَاءً لِعَبْدٍ لِي آخَرَ. فَقَالَ: لَا قَطْعَ، مَالُكَ سَرَقَ مَالَكَ. وَهَذِهِ قَضَايَا تَشْتَهِرُ، وَلَمْ يُخَالِفْهَا أَحَدٌ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ ; وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي عَصْرِهِمْ أَحَدٌ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ بِقَوْلِ مَنْ بَعْدَهُمْ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَرْكُ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ
(7301) فَصْلٌ: وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُكَاتَبُ، كَالْقِنِّ فِي هَذَا. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا يُقْطَعُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ; لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وَكُلُّ مَنْ لَا يُقْطَعُ الْإِنْسَانُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، لَا يُقْطَعُ عَبْدُهُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، كَآبَائِهِ، وَأَوْلَادِهِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ مَنْ عَدَا سَيِّدِهِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَلَنَا حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; وَلِأَنَّ مَالَهُمْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَالِهِ فِي قَطْعِهِ، فَكَذَلِكَ فِي قَطْعِ عَبْدِهِ.
(7302) فَصْلٌ: وَلَا يُقْطَعُ الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ، بِسَرِقَةِ مَالٍ وَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُقْطَعُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِيمَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ; لِظَاهِرِ الْكِتَابِ ; وَلِأَنَّهُ يُحَدُّ بِالزِّنَا بِجَارِيَتِهِ، وَيُقَادُ بِقَتْلِهِ، فَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً تَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَةِ مَالِهِ كَالْأَبِ ; وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مَالِ الْأَبِ لِابْنِهِ حِفْظًا لَهُ، فَلَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ حِفْظًا لِلْمَالِ، وَأَمَّا الزِّنَا بِجَارِيَتِهِ، فَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا، بِخِلَافِ الْمَالِ.