بِالْأَمْنِ. وَقَالَ لُوطٌ: {بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} . أَيْ: مِنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ، وَلَا طَهَارَةَ فِيهِمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَيْسَ بِقَذْفٍ لِلْأَوَّلِ وَلَا لِلثَّانِي، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَذْفَ. وَلَنَا أَنَّ مَوْضُوعَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتَ زَانٍ.
(7228) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: زَنَأْت. مَهْمُوزًا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ قَذْفٌ ; لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْقَذْفَ، فَكَانَ قَذْفًا، كَمَا لَوْ قَالَ: زَنَيْت. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ عَامِّيًّا، فَهُوَ قَذْفٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ إلَّا الْقَذْفَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ قَذْفًا ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، طَلَعْت، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ مَوْضُوعَهُ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كَوْنِهِ قَذْفًا وَجْهَانِ.
وَإِنْ قَالَ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ. فَالْحُكْمُ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: زَنَأْت. وَلَمْ يَقُلْ: فِي الْجَبَلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، لَيْسَ بِقَذْفٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ. وَلَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَامِّيًّا لَا يَعْرِفُ مَوْضُوعَهُ فِي اللُّغَةِ، تَعَيَّنَ مُرَادُهُ فِي الْقَذْفِ، وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ سِوَاهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا، كَمَا لَوْ فَسَّرَهُ بِالْقَذْفِ، أَوْ لَحَنَ لَحْنًا غَيْرَ هَذَا.
(7229) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ. أَوْ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانٍ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي قَذْفِهِمَا. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ، إلَّا أَنْ يُفَسِّرَهُ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: يَا زَانِيَةُ أَيْ: يَا عَلَّامَةُ فِي الزِّنَا، كَمَا يُقَالُ لِلْعَالِمِ: عَلَّامَةٌ. وَلِكَثِيرِ الرِّوَايَةِ: رَاوِيَةٌ. وَلِكَثِيرِ الْحِفْظِ: حَفَظَةٌ. وَلَنَا أَنَّ مَا كَانَ قَذْفًا لِأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ، كَانَ قَذْفًا لِلْآخَرِ، كَقَوْلِهِ: زَنَيْت. بِفَتْحِ التَّاءِ وَبِكَسْرِهَا لَهُمَا جَمِيعًا ; وَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ خِطَابٌ لَهُمَا، وَإِشَارَةٌ إلَيْهِمَا بِلَفْظِ الزِّنَا، وَذَلِكَ يُغْنِي عَنْ التَّمْيِيزِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ وَحَذْفِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: يَا شَخْصًا زَانِيًا: أَوْ لِلرَّجُلِ: يَا نَسَمَةً زَانِيَةً. كَانَ قَاذِفًا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَلَّامَةٌ فِي الزِّنَا، لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ مَا كَانَ اسْمًا لِلْفِعْلِ إذَا دَخَلَتْهُ الْهَاءُ كَانَتْ لِلْمُبَالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ: حَفَظَةٌ. لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْحِفْظِ، وَرَاوِيَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الرِّوَايَةِ. وَكَذَلِكَ هُمَزَةٌ وَلُمَزَةٌ وَصُرَعَةٌ. وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يُذَكِّرُ الْمُؤَنَّثَ، وَيُؤَنِّثُ الْمُذَكَّرَ، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِ الْمُخَاطَبِ بِهِ مُرَادًا بِمَا يُرَادُ بِاللَّفْظِ الصَّحِيحِ.
(7230) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: زَنَيْت بِفُلَانَةَ. كَانَ قَاذِفًا لَهُمَا. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا نَاكِحَ أُمِّهِ. مَا عَلَيْهِ ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ أُمُّهُ حَيَّةً، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِلرَّجُلِ. وَلِأُمِّهِ حَدٌّ. وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِي.، قَالَ عَلَيْهِ حَدَّانِ قُلْت: أَبَلَغَك فِي هَذَا شَيْءٌ ؟ قَالَ: مَكْحُولٌ قَالَ: فِيهِ حَدَّانِ. وَإِنْ أَقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَهُوَ قَاذِفٌ لَهَا، سَوَاءٌ أَلَزِمَهُ حَدُّ الزِّنَا بِإِقْرَارِهِ أَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ ; لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الزِّنَا بِهَا مِنْ غَيْرِ زِنَاهَا ; لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مُكْرَهَةً، أَوْ مَوْطُوءَةً بِشُبْهَةٍ.