الصِّيَاحُ.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْقَاسِمُ، وَالنَّخَعِيّ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ، إلَّا مَسَّهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا، إلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا} . فَلَا يَجُوزُ غَيْرُ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَصْلُ فِي تَسْمِيَةِ الصِّيَاحِ اسْتِهْلَالًا، أَنَّ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنَّهُمْ إذَا رَأَوْا الْهِلَالَ صَاحُوا، وَأَرَاهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسُمِّيَ صِيَاحُ الْمَوْلُودِ اسْتِهْلَالًا ; لِأَنَّهُ فِي ظُهُورِهِ بَعْدَ خَفَائِهِ كَالْهِلَالِ، وَصِيَاحُهُ كَصِيَاحِ مِنْ يَتَرَاءَاهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَهِلَّ، وَالْخَبَرُ يَدُلُّ بِمَعْنَاهُ وَتَنْبِيهِهِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ ; لِأَنَّ شُرْبَهُ اللَّبَنَ أَدُلّ عَلَى حَيَاتِهِ مِنْ صِيَاحِهِ، وَعُطَاسُهُ صَوْتٌ مِنْهُ كَصِيَاحِهِ، وَأَمَّا الْحَرَكَة وَالِاخْتِلَاجُ الْمُنْفَرِدُ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ ; الْحَيَاةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَحَرَّك بِالِاخْتِلَاجِ وَسَبَبٍ أُخَرِ، وَهُوَ خُرُوجَهُ مِنْ مَضِيقٍ، فَإِنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِجُ سِيَّمَا إذَا عُصِرَ ثُمَّ تُرِك، فَلَمْ تَثْبُتْ بِذَلِكَ حَيَاتُهُ. (6858) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ ضَمَانُهُ إذَا عُلِمَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ الضَّرْبَةِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِسُقُوطِهِ فِي الْحَالِ وَمَوْتِهِ أَوْ بَقَائِهِ، مُتَأَلِّمًا إلَى أَنْ يَمُوتَ، أَوْ بَقَاءِ أُمِّهِ مُتَأَلِّمَةً إلَى أَنْ تُسْقِطَهُ، فَيُعْلَمَ بِذَلِكَ مَوْتُهُ بِالْجِنَايَةِ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ رَجُلًا فَمَاتَ عَقِيبَ ضَرْبِهِ، أَوْ بَقِيَ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ.
وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا، فَجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ إذَا كَانَ عَمْدًا، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بَلْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَعَلَى الثَّانِي الْأَدَبُ. وَإِنْ وَقَعَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ بَقِيَ زَمَنًا سَالِمًا لَا أَلَمَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ الضَّارِبُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ جِنَايَتِهِ. (6859) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيهِ إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ لِدُونِ ذَلِكَ، فَفِيهِ غُرَّةٌ، كَمَا لَوْ سَقَطَ مُتَأَلِّمًا. وَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ; لِأَنَّنَا عَلِمْنَا حَيَاتَهُ، وَقَدْ تَلِفَ مِنْ جِنَايَتِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ فِيهِ حَيَاةٌ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ بِهَا، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، كَمَا لَوْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا، وَكَالْمَذْبُوحِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّنَا عَلِمْنَا حَيَاتَهُ. قُلْنَا: وَإِذَا سَقَطَ مَيِّتًا وَلَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَقَدْ عَلِمْنَا حَيَاتَهُ أَيْضًا.
(6860) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ ضَرَبَهَا، فَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا، فَأَنْكَرَ الضَّرْبَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّرْبِ. وَإِنْ أَقَرَّ بِالضَّرْبِ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ أَسْقَطَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَسْقَطَتْ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَإِنْ ثَبَتَ الْإِسْقَاطُ وَالضَّرْبُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، فَادَّعَى أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرْبِهِ، نَظَرْنَا ; فَإِنْ كَانَتْ أَسْقَطَتْ عَقِيبَ ضَرْبِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْهُ، لِوُجُودِهِ عَقِيبَ شَيْءٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَهُ. وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهَا ضَرَبَتْ نَفْسَهَا، أَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهَا، فَحَصَلَ الْإِسْقَاطُ بِهِ، فَأَنْكَرَتْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ. وَإِنْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ الضَّرْبِ بِأَيَّامٍ، نَظَرْنَا ; فَإِنْ كَانَتْ مُتَأَلِّمَةً إلَى حِينِ الْإِسْقَاطِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَأَلِّمَةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا