فهرس الكتاب

الصفحة 2961 من 3896

وَلَنَا، أَنَّهُ قَاتِلٌ لِجَنِينِهَا، فَلَزِمَتْهُ الْغُرَّةُ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ جَمِيعُهُ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ قَتْلَهُ وَلَا وُجُودَهُ. وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَتْ يَدًا، أَوْ رِجْلًا، أَوْ رَأْسًا، أَوْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ، وَجَبَتْ الْغُرَّةُ ; لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ مِنْ جَنِينٍ. وَإِنْ أَلْقَتْ رَأْسَيْنِ، أَوْ أَرْبَعَ أَيْدٍ، لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ غُرَّةٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَنِينٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَنِينَيْنِ، فَلَمْ تَجِبْ الزِّيَادَةُ مَعَ الشَّكِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ; وَكَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ آدَمِيٍّ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ جَنِينٌ.

وَإِنْ أَلْقَتْ مُضْغَةً، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً، فَفِيهِ غُرَّةٌ، وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ لَوْ بَقِيَ تَصَوَّرَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَصَحُّهُمَا، لَا شَيْءَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ، كَالْعَلَقَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَلَا نَشْغَلُهَا بِالشَّكِّ. وَالثَّانِي، فِيهِ غُرَّةٌ ; لِأَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَوَّرَ. وَهَذَا يَبْطُلُ بِالنُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ.،

(6844) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْغُرَّةَ عَبْدٌ أَوْ أُمَّةٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ عُرْوَةُ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ فَرَسٌ ; لِأَنَّ الْغُرَّةَ اسْمُ لِذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: {قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ} . وَجَعَلَ ابْنُ سِيرِينَ مَكَانَ الْفَرَسِ مِائَةَ شَاةٍ، وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَعَلَ فِي وَلَدِهَا مِائَةَ شَاةٍ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، أَنَّهُ قَضَى فِي الْجَنِينِ إذَا أُمْلِصَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ مُضْغَةً، فَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَانَ عَظْمًا سِتِّينَ، فَإِذَا كَانَ الْعَظْمُ قَدْ كُسِيَ لَحْمًا فَثَمَانِينَ، فَإِنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَكُسِيَ شَعْرُهُ فَمِائَةَ دِينَارٍ. قَالَ قَتَادَةُ: إذَا كَانَ عَلَقَةً فَثُلُثُ غُرَّةٍ، وَإِذَا كَانَ مُضْغَةً فَثُلُثَيْ غُرَّةٍ. وَلَنَا، {قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ} ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاضِيَةٌ عَلَى مَا خَالَفَهَا. وَذِكْرُ الْفَرَسِ وَالْبَغْلِ فِي الْحَدِيثِ وَهْمٌ انْفَرَدَ بِهِ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ فِي الْبَغْلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْفَرَسِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا خَالَفَهُ.

وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، تَحَكُّمٌ بِتَقْدِيرِ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَكَذَلِكَ قَتَادَةُ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ قَوْلِهِمَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْغُرَّةُ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَ بَدَلِهَا وَرَضِيَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ، جَازَ ; لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَأَيُّهُمَا امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ الْبَدَلِ، فَلَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا، فَلَا يُقْبَلُ بَدَلُهَا إلَّا بِرِضَاهُمَا. وَتَجِبُ الْغُرَّةُ سَالِمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ، وَإِنْ قَلَّ الْعَيْبُ ; لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ وَجَبَ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ الْمَعِيبُ، كَالشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ الْغُرَّةَ الْخِيَارُ، وَالْمَعِيبُ لَيْسَ مِنْ الْخِيَارِ. وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا هَرِمَةٌ، وَلَا ضَعِيفَةٌ، وَلَا خُنْثَى، وَلَا خَصِيٌّ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ. وَلَا يَتَقَدَّرُ سِنُّهَا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْبَلُ فِيهَا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مِنْ يَكْفُلُهُ لَهُ وَيَحْضُنُهُ، وَلَيْسَ مِنْ الْخِيَارِ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهَا غُلَامٌ بَلَغَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً ; لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا ابْنَةُ عِشْرِينَ ; لِأَنَّهَا تَتَغَيَّرُ. وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْكَفَالَةِ بَاطِلٌ بِمَنْ لَهُ فَوْقَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت