مُنْتَقِضٌ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَسَاوِيهِمَا، وَيَنْتَقِضُ أَيْضًا بِشَاةِ الْجُبْرَانِ مَعَ الدَّرَاهِمِ. وَأَمَّا بَدَلُ الْقَرْضِ وَالْمُتْلَفِ، فَإِنَّمَا هُوَ الْمِثْلُ خَاصَّةً، وَالْقِيمَةُ بَدَلٌ عَنْهُ ; وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ ; لِقَوْلِكُمْ: إنَّ الْإِبِلَ هِيَ الْأَصْلُ، وَغَيْرُهَا بَدَلٌ عَنْهَا فَيَجِبُ أَنْ يُسَاوِيَهَا كَالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ. قُلْنَا: إذَا ثَبَتَ لَنَا هَذَا، يَنْبَغِي أَنْ يُقَوَّمَ غَيْرُهَا بِهَا، وَلَا تُقَوَّمُ هِيَ بِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ الْبَدَلَ يَتْبَعُ الْأَصْلَ، وَلَا يَتْبَعُ الْأَصْلُ الْبَدَلَ، عَلَى أَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا صَيَّرَ إلَى التَّقْدِيرِ بِهَذَا ; لِأَنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوَّمَهَا فِي وَقْتِهِ بِذَلِكَ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، كَيْلًا يُؤَدِّيَ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فِي قِيمَةِ الْإِبِلِ الْوَاجِبَةِ، كَمَا قُدِّرَ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ بِصَاعٍ مِنْ التَّمْرِ، نَفْيًا لِلتَّنَازُعِ فِي قِيمَتِهِ، فَلَا يُوجِبُ هَذَا أَنْ يُرَدَّ الْأَصْلَ إلَى التَّقْوِيمِ، فَيُفْضِيَ إلَى عَكْسِ حِكْمَةِ الشَّرْعِ، وَوُقُوعِ التَّنَازُعِ فِي قِيمَةِ الْإِبِلِ مَعَ وُجُوبِهَا بِعَيْنِهَا، عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَدَلَيْ الْقَرْضِ مُسَاوَاةُ الْمَحَلِّ الْمُقْرَضِ، فَاعْتُبِرَ مُسَاوَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ بَدَلَيْهِ لَهُ.
وَالدِّيَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِقِيمَةِ الْمُتْلَفِ ; وَلِهَذَا لَا تُعْتَبَرُ صِفَاتُهُ. وَهَكَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي تَقْوِيمِ الْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالْحُلَلِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْلَغُ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَتَكُونُ قِيمَةُ كُلِّ بَقَرَةٍ أَوْ حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا، وَقِيمَةُ كُلِّ شَاةٍ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، لِتَتَسَاوَى الْأَبْدَالُ كُلُّهَا، وَكُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَتَانِ، فَيَكُونَ أَرْبَعمِائَةِ بُرْدٍ.
(6778) فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ فِي الْإِبِلِ مَعِيبٌ، وَلَا أَعْجَفُ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ إبِلِهِ، وَلَا إبِلِ بَلَدِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ إبِلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلَ أَوْ الْعَاقِلَةَ ; لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَيَجِبُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ مَالِهِمْ، كَالزَّكَاةِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ عِرَابٌ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بَخَاتِي، أُخِذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ وَاحِدٍ صِنْفَانِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بِقِسْطِهِ. وَالثَّانِي، يُؤْخَذُ مِنْ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا، دَفَعَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ. فَإِنْ دَفَعَ مِنْ غَيْرِ إبِلِهِ خَيْرًا مِنْ إبِلِهِ أَوْ مِثْلَهَا، جَازَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ فِي الزَّكَاةِ خَيْرًا مِنْ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ أَدْوَنَ، لَمْ يُقْبَلْ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُسْتَحِقُّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبِلٌ، فَمِنْ غَالِبِ إبِلِ الْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إبِلٌ، وَجَبَ مِنْ غَالِبِ إبِلِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ. فَإِنْ كَانَتْ إبِلُهُ عِجَافًا أَوْ مِرَاضًا، كُلِّفَ تَحْصِيلَ صِحَاحٍ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَلَا تُؤْخَذُ فِيهِ مَعِيبَةٌ، كَقِيمَةِ الثَّوْبِ الْمُتْلَفِ، وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ} . أَطْلَقَ الْإِبِلَ، فَمَنْ قَيَّدَهَا احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ وَلِأَنَّهَا بَدَلُ الْمُتْلَفِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِجِنْسِ مَالِهِ، كَبَدَلِ سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ ; وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لَيْسَ سَبَبُهُ الْمَالَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُهُ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ وَالْقَرْضِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدِّيَةِ جَبْرُ الْمَفُوتِ، وَالْجَبْرُ لَا يَخْتَصُّ بِجِنْسِ مَالِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَفَارَقَ الزَّكَاةَ ; فَإِنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، لِيُشَارِكَ الْفُقَرَاءُ الْأَغْنِيَاءَ فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ، فَاقْتَضَى كَوْنَهُ مِنْ جِنْسِ أَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِمَالِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا مُوَاسَاةٌ. غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ جَبْرًا لِلْفَائِتِ كَبَدَلِ الْمَالِ الْمُتْلَفِ، وَإِنَّمَا الْعَاقِلَةُ تُوَاسِي الْقَاتِلَ فِيمَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ مِنْ جِنْسِ أَمْوَالِهِمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا