بِالْخُبْزِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأُدْمِ.
وَلِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْإِنْفَاقِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَلَا تَقْدِيرٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ إلَى الْعُرْفِ، كَمَا فِي الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ، وَأَهْلُ الْعُرْفِ إنَّمَا يَتَعَارَفُونَ فِيمَا بَيْنهمْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَهْلَيْهِمْ الْخُبْزَ وَالْأُدْمَ، دُونَ الْحَبِّ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتُهُ إنَّمَا كَانُوا يُنْفِقُونَ ذَلِكَ، دُونَ مَا ذَكَرُوهُ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ، وَلِأَنَّهَا نَفَقَةٌ قَدَّرَهَا الشَّرْعُ بِالْكِفَايَةِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ الْخُبْزَ، كَنَفَقَةِ الْعَبِيدِ، وَلِأَنَّ الْحَبَّ تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ، فَمَتَى احْتَاجَتْ إلَى تَكَلُّفِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا لَمْ تَحْصُلْ الْكِفَايَةُ بِنَفَقَتِهِ، وَفَارَقَ الْإِطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهَا لَا تُقَدَّرُ بِالْكِفَايَةِ، وَلَا يَجِبُ فِيهَا الْأُدْمُ. فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَبَتْ مَكَانَ الْخُبْزِ دَرَاهِمَ، أَوْ حَبًّا، أَوْ دَقِيقًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ، وَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهَا بَدَلَ الْوَاجِبِ لَهَا، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ ; لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى قَبُولِهِ، كَالْبَيْعِ.
وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، جَازَ ; لِأَنَّهُ طَعَامٌ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ، لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَجَازَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهُ، كَالطَّعَامِ فِي الْقَرْضِ، وَيُفَارِقُ الطَّعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ هُوَ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَيَرْضَى بِالْعِوَضِ عَنْهُ. وَإِنْ أَعْطَاهَا مَكَانَ الْخُبْزِ حَبًّا، أَوْ دَقِيقًا، جَازَ إذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ حَقِيقَةً، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُعَيِّنْ الْوَاجِبَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْكِفَايَةِ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ، كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ، وَإِنَّمَا صِرْنَا إلَى إيجَابِ الْخُبْزِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، لِتَرَجُّحِهِ بِكَوْنِهِ الْقُوتَ الْمُعْتَادَ.
(6458) فَصْلٌ: وَيُرْجَعُ فِي تَقْدِيرِ الْوَاجِبِ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، أَوْ نَائِبِهِ، إنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ، فَيَفْرِضُ لِلْمَرْأَةِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا مِنْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ، فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ قَدْرَ حَاجَتِهَا، مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ الَّذِي يَأْكُلهُ أَمْثَالُهُمَا، وَلِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا، مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ، وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ مِنْ أَوْسَطِهِ، لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي حَقِّ أَمْثَالِهِ. وَكَذَلِكَ الْأُدْمُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ قَدْرَ حَاجَتِهَا مِنْ أَرْفَعِ الْأُدْمِ، مِنْ اللَّحْمِ وَالْأُرْزِ وَاللَّبَنِ، وَمَا يُطْبَخُ بِهِ اللَّحْمُ، وَالدُّهْنُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ فِي بُلْدَانِهِ ; السَّمْنُ فِي مَوْضِعٍ، وَالزَّيْتُ فِي آخَرَ، وَالشَّحْمُ، وَالشَّيْرَجُ فِي آخَرَ. وَلِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ مِنْ الْأُدْمِ أَدْوَنُهُ، كَالْبَاقِلَّا، وَالْخَلِّ، وَالْبَقْلِ، وَالْكَامَخِ، وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِمْ، وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدُّهْنِ، وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ أَوْسَطِ ذَلِكَ، مِنْ الْخُبْزِ، وَالْأُدْمِ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِ قُوتِ الْبَلْدَةِ، لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ سِوَى الْمِقْدَارِ. وَالْأُدْمُ هُوَ الدُّهْنُ خَاصَّةً ; لِأَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْأَبْدَانِ، وَأَجْوَدُ فِي الْمُؤْنَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى طَبْخٍ وَكُلْفَةٍ، وَيُعْتَبَرُ الْأُدْمُ بِغَالِبِ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ، كَالزَّيْتِ بِالشَّامِ، وَالشَّيْرَجِ بِالْعِرَاقِ، وَالسَّمْنِ بِخُرَاسَانَ. وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْأُدْمِ بِالْقُوتِ، فَإِذَا قِيلَ: إنَّ الرِّطْلَ تَكْفِيه الْأُوقِيَّةُ مِنْ الدُّهْنِ. فَرَضَ ذَلِكَ.
وَفِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ رِطْلُ لَحْمٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَرْخُصُ اللَّحْمُ، زَادَهَا عَلَى الرِّطْلِ شَيْئًا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْأُدْمِ مِثْلَ هَذَا. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} . وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} . وَمَتَى أَنْفَقَ الْمُوسِرُ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِ، فَمَا أَنْفَقَ مِنْ سَعَتِهِ، وَلَا رَزَقَهَا بِالْمَعْرُوفِ.
وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ