فهرس الكتاب

الصفحة 2800 من 3896

بَيْنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَالْكِسْوَةُ عَلَى قَدْرِ حَالِهَا، فَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ، {وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ} . فَاعْتَبَرَ كِفَايَتَهَا دُونَ حَالِ زَوْجِهَا، وَلِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ لِدَفْعِ حَاجَتِهَا، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهَا، دُونَ حَالِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، كَنَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ، وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ لَمْ يُقَدَّرْ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا بِهَا، كَمَهْرِهَا وَكِسْوَتِهَا.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا} . وَلَنَا، أَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَعَمَلًا بِكِلَا النَّصَّيْنِ، وَرِعَايَةً لِكِلَا الْجَانِبَيْنِ، فَيَكُونُ أَوْلَى.

(6456) فَصْلٌ: وَالنَّفَقَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَنْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ فِي مِقْدَارِهَا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالْوَاجِبُ رِطْلَانِ مِنْ الْخُبْزِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فِي حَقِّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، اعْتِبَارًا بِالْكَفَّارَاتِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ ; لِأَنَّ الْمُوسِرَ وَالْمُعْسِرُ سَوَاءٌ فِي قَدْرِ الْمَأْكُولِ، وَفِيمَا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي جَوْدَتِهِ، فَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: نَفَقَةُ الْمُقْتِرِ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُدْفَعُ فِي الْكَفَّارَةِ إلَى الْوَاحِدِ مُدٌّ. وَاَللَّه سُبْحَانَهُ اعْتَبَرَ الْكَفَّارَةَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ، فَقَالَ سُبْحَانه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} . وَعَلَى الْمُوسِرِ مُدَّانِ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْوَاحِدِ مُدَّيْنِ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ، نِصْفُ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ، وَنِصْفُ نَفَقَةِ الْفَقِيرِ.

وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ: {خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ} . فَأَمَرَهَا بِأَخْذِ مَا يَكْفِيهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَرَدَّ الِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ إلَيْهَا، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَدْرَ كِفَايَتِهَا لَا يَنْحَصِرُ فِي الْمُدَّيْنِ، بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ عَنْهُمَا وَلَا يَنْقُصُ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} . وَإِيجَابُ أَقَلِّ مِنْ الْكِفَايَةِ مِنْ الرِّزْقِ تَرْكٌ لِلْمَعْرُوفِ، وَإِيجَابُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ أَوْ مِنْ رِطْلَيْ خُبْزٍ، إنْفَاقٌ بِالْمَعْرُوفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

وَاعْتِبَارُ النَّفَقَةِ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْقَدْرِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَلَا هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ بِهَا فِي الْجِنْسِ دُونَ الْقَدْرِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِيهَا الْأُدْمُ.

(6457) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ فِيهَا الْحَبُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْوَاجِبُ فِيهَا الْحَبُّ، اعْتِبَارًا بِالْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ، حَتَّى لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا دَقِيقًا أَوْ سَوِيقًا أَوْ خُبْزًا، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمِسْكِينَ فِي الْكَفَّارَةِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ تَرَاضَيَا ; لِأَنَّهُ بَيْعُ حِنْطَةٍ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا. وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْله تَعَالَى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} . قَالَ: الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ، وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ، وَالْخُبْزُ وَالتَّمْرُ، وَمِنْ أَفْضَلِ مَا تُطْعِمُونَهُنَّ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ. فَفَسَّرَ إطْعَامَ الْأَهْلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت