خِلَافًا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ كَانَ لِلْأَوَّلِ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ مَا يَجْعَلُهُ مِنْ الثَّانِي، فَبَقِيَ لِلْأَوَّلِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا تَحْمِلَ مِنْ الثَّانِي، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، سَوَاءٌ زَادَ أَوْ لَمْ يَزِدْ، أَوْ انْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ، أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَلِدَ مِنْ الثَّانِي، فَاللَّبَنُ لَهُ خَاصَّةً.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، سَوَاءٌ زَادَ أَوْ لَمْ يَزِدْ، انْقَطَعَ أَوْ اتَّصَلَ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ يَنْقَطِعُ بِالْوِلَادَةِ مِنْ الثَّانِي، فَإِنَّ حَاجَةَ الْمَوْلُودِ إلَى اللَّبَنِ تَمْنَعُ كَوْنَهُ لِغَيْرِهِ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ لَبَنُ الْأَوَّلِ بَاقِيًا، وَزَادَ بِالْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي، فَاللَّبَنُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ لِلْأَوَّلِ، مَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ لَمْ يَنْتَهِ الْحَمْلُ إلَى حَالٍ يَنْزِلُ مِنْهُ اللَّبَنُ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ بَلَغَ إلَى حَالٍ يَنْزِلُ بِهِ اللَّبَنُ، فَزَادَ بِهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، هُوَ لِلْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي، هُوَ لَهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّ زِيَادَتَهُ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَمْلِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا مِنْهُ، وَبَقَاءُ لَبَنِ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أَصْلِهِ مِنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُمَا.
الْحَالُ الْخَامِسُ: انْقَطَعَ مِنْ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ بِالْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ مِنْهُمَا.
وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ إذَا انْتَهَى الْحَمْلُ إلَى حَالٍ يَنْزِلُ بِهِ اللَّبَنُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّبَنَ كَانَ لِلْأَوَّلِ، فَلَمَّا عَادَ بِحُدُوثِ الْحَمْلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ ثَابَ بِسَبَبِ الْحَمْلِ الثَّانِي، فَكَانَ مُضَافًا إلَيْهِمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِي.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ انْقَطَعَ، فَزَالَ حُكْمُهُ بِانْقِطَاعِهِ، وَحَدَثَ بِالْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي، فَكَانَ لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ لِلْأَوَّلِ، مَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِي؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَقْتَضِي اللَّبَنَ، وَإِنَّمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَلَدِ عِنْدَ وُجُودِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ قَدْ سَبَقَ.
(6429) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً، فَلَمْ يَدْخُلْ بِالْكَبِيرَةِ حَتَّى أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ فِي الْحَوْلَيْنِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْكَبِيرَةِ)
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ. فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ: (6430) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَتَى تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً، فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَسَدَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ فِي الْحَالِ، وَحَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ ثَابِتٌ، وَتُنْزَعُ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، فَتَحْرُمُ أَبَدًا ; لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانه: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} . وَلَمْ يَشْتَرِطْ دُخُولَهُ بِهَا، فَأَمَّا الصَّغِيرَةُ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، نِكَاحُهَا ثَابِتٌ ; لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا، فَلَا تَحْرُمُ ; لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} .