فهرس الكتاب

الصفحة 2786 من 3896

الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعِنْدَ هَذَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِ أَبِي حُذَيْفَة عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ لَهُ دُونَ النَّاسِ، كَمَا قَالَ سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَقَوْلَ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْلِ حَمْلُ الْبَطْنِ. وَبِهِ اسْتَدَلَّ عَلِيٌّ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} . فَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، لَكَانَ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْآيَةِ.

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالِاعْتِبَارُ بِالْعَامَيْنِ لَا بِالْفِطَامِ، فَلَوْ فُطِمَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، ثُمَّ ارْتَضَعَ فِيهِمَا، لَحَصَلَ التَّحْرِيمُ، وَلَوْ لَمْ يُفْطَمْ حَتَّى تَجَاوَزَ الْحَوْلَيْنِ، ثُمَّ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا قَبْلَ الْفِطَامِ. لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، صَاحِبُ مَالِكٍ: لَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَ الْفِطَامِ فِي الْحَوْلَيْنِ، لَمْ تُحَرِّمْ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ} .

وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} . وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ} . وَالْفِطَامُ مُعْتَبَرٌ بِمُدَّتِهِ لَا بِنَفْسِهِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِسَاعَةٍ، لَمْ يُحَرِّمْ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَوْ شَرَعَ فِي الْخَامِسَةِ، فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ كَمَالِهَا، لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ. وَلَا يَصِحُّ هَذَا ; لِأَنَّ مَا وُجِدَ مِنْ الرَّضْعَةِ فِي الْحَوْلَيْنِ كَافٍ فِي التَّحْرِيمِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْفَصَلَ مِمَّا بَعْدَهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ حُكْمٌ بِإِيصَالِ مَا لَا أَثَرَ لَهُ بِهِ. وَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيِّ فِي نَشْرِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الْمُرْتَضِعِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الَّذِي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ، أَنْ يَكُونَ لَبَنَ حَمْلٍ يَنْتَسِبُ إلَى الْوَاطِئِ، إمَّا لِكَوْنِ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، أَوْ بِشُبْهَةٍ، فَأَمَّا لَبَنُ الزَّانِي أَوْ النَّافِي لِلْوَلَدِ بِاللِّعَانِ، فَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُمَا، فِي مَفْهُومِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيز: تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُ مَعْنَى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ مُبَاحُهُ وَمَحْظُورُهُ، كَالْوَطْءِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَاطِئَ حَصَلَ مِنْهُ لَبَنٌ وَوَلَدٌ، ثُمَّ إنَّ الْوَلَدَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاطِئِ، كَذَلِكَ اللَّبَنُ، وَلِأَنَّهُ رَضَاعٌ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إلَى الْمُرْضِعَةِ، فَنَشْرِهَا إلَى الْوَاطِئِ، كَصُورَةِ الْإِجْمَاعِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّ التَّحْرِيمَ بَيْنَهُمَا فَرْعٌ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ، فَلَمَّا لَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الْأُبُوَّةِ، لَمْ يَثْبُتْ مَا هُوَ فَرْعٌ لَهَا. وَيُفَارِقُ تَحْرِيمَ ابْنَتِهِ مِنْ الزِّنَى ; لِأَنَّهَا مِنْ نُطْفَتِهِ حَقِيقَةً، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

وَيُفَارِقُ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ ; فَإِنَّ التَّحْرِيمَ ثَمَّ لَا يَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَلِهَذَا تَحْرُمُ أُمُّ زَوْجَتِهِ وَابْنَتُهَا مِنْ غَيْرِ نَسَبٍ، وَتَحْرِيمُ الرَّضَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّسَبِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ} . فَأَمَّا الْمُرْضِعَةُ، فَإِنَّ الطِّفْلَ الْمُرْتَضِعَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، وَمَنْسُوبٌ إلَيْهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ جَمِيعُ أَوْلَادِهَا، وَأَقَارِبهَا الَّذِينَ يَحْرُمُونَ عَلَى أَوْلَادِهَا، عَلَى هَذَا الْمُرْتَضِعِ، كَمَا فِي الرَّضَاعِ بِاللَّبَنِ الْمُبَاحِ.

وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ جَارِيَةً، حَرُمَتْ عَلَى الْمُلَاعِنِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ، فَإِنَّهَا بِنْتُ امْرَأَتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَتَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي، عِنْدَ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ بَنَاتُهَا وَبَنَاتُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ الْغِلْمَانِ لِذَلِكَ.

(6422) فَصْلٌ: وَإِذَا وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا، صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت