فهرس الكتاب

الصفحة 2711 من 3896

كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لِلسَّيِّدِ أَنْ يُلَاعِنَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ ; لِأَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا. وَلَنَا أَنَّهُ لِعَانٌ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ، كَاللِّعَانِ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ، ثُمَّ لَا يُشْبِهُ اللِّعَانُ الْحَدَّ ; لِأَنَّ الْحَدَّ زَجْرٌ وَتَأْدِيبٌ، وَاللِّعَانُ إمَّا شَهَادَةٌ وَإِمَّا يَمِينٌ، فَافْتَرَقَا، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ دَارِئٌ لِلْحَدِّ، وَمُوجِبٌ لَهُ، فَجَرَى مَجْرَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الزِّنَا وَالْحُكْمِ بِهِ أَوْ بِنَفْيِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ خَفِرَةً لَا تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا، بَعَثَ الْحَاكِمُ نَائِبَهُ، وَبَعَثَ مَعَهُ عُدُولًا، لِيُلَاعِنُوا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ بَعَثَ نَائِبَهُ وَحْدَهُ جَازَ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ غَيْرُ وَاجِبٍ.

(6285) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ حَضَرُوهُ مَعَ حَدَاثَةِ أَسْنَانِهِمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ ; لِأَنَّ الصِّبْيَانَ إنَّمَا يَحْضُرُونَ الْمَجَالِسَ تَبَعًا لِلرِّجَالِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيظِ، مُبَالَغَةً فِي الرَّدْعِ بِهِ وَالزَّجْرِ، وَفِعْلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصُوا عَنْ أَرْبَعَةٍ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَا الَّذِي شُرِعَ اللِّعَانُ مِنْ أَجْلِ الرَّمْيِ بِهِ أَرْبَعَةٌ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَاجِبًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا، فَيَبْدَأُ الزَّوْجُ فَيَلْتَعِنُ وَهُوَ قَائِمٌ، فَإِذَا فَرَغَ قَامَتْ الْمَرْأَةُ فَالْتَعَنَتْ وَهِيَ قَائِمَةٌ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: {قُمْ فَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} وَلِأَنَّهُ إذَا قَامَ شَاهَدَهُ النَّاسُ، فَكَانَ أَبْلَغَ فِي شُهْرَتِهِ، فَاسْتُحِبَّ كَثْرَةُ الْجَمْعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا. وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.

(6286) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ فِي اللِّعَانِ بِمَكَانٍ، وَلَا زَمَانٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الرَّجُلَ بِإِحْضَارِ امْرَأَتِهِ، وَلَمْ يَخُصّهُ بِزَمَنٍ، وَلَوْ خَصَّهُ بِذَلِكَ لَنُقِلَ وَلَمْ يُهْمَلْ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَلَاعَنَا فِي الْأَزْمَانِ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي تُعَظَّمُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ عِنْدَهُ فِي التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ التَّغْلِيظَ بِهِ مُسْتَحَبُّ كَالزَّمَانِ. وَالثَّانِي، أَنَّهُ وَاجِبٌ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَكَانَ فِعْلُهُ بَيَانًا لِلِّعَانِ.

وَمَعْنَى التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ، أَنَّهُمَا إذَا كَانَا بِمَكَّةَ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، فَإِنَّهُ أَشْرَفُ الْبِقَاعِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ فَعِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَنَدَ الصَّخْرَةِ، وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي جَوَامِعِهَا. وَأَمَّا الزَّمَانُ فَبَعْدَ الْعَصْرِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ} . وَأَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ صَلَاةُ الْعَصْرِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ أَوْ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَهُمَا لَا يُرَدُّ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ فَعَلَهُ لَنُقِلَ، وَلَمْ يَسُغْ تَرْكُهُ وَإِهْمَالُهُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ. فَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ. وَإِنْ ثَبَتَ هَذَا، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّ مَجْلِسَهُ كَانَ عِنْدَهُ، فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا فِي مَجْلِسِهِ. وَإِنْ كَانَ اللِّعَانُ بَيْنَ كَافِرَيْنِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي اللِّعَانِ بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُغَلَّظَ فِي الْمَكَانِ ; لِقَوْلِهِ فِي الْأَيْمَانِ: وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَوَاضِعُ يُعَظِّمُونَهَا، وَيَتَوَقَّوْنَ أَنْ يَحْلِفُوا فِيهَا كَاذِبِينَ، حُلِّفُوا فِيهَا. فَعَلَى هَذَا، يُلَاعَنُ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعِهِمْ اللَّاتِي يُعَظِّمُونَهَا ;

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت