أَشْهُرٍ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْإِمْكَانَ إذَا وُجِدَ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ قَطْعًا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ، وَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، فَعَلَّقْنَا الْحُكْمَ عَلَى إمْكَانِهِ فِي النِّكَاحِ، وَلَمْ يَجُزْ حَذْفُ الْإِمْكَانِ عَنْ الِاعْتِبَارِ، لِأَنَّهُ إذَا انْتَفَى حَصَلَ الْيَقِينُ بِانْتِفَائِهِ عَنْهُ، فَلَمْ يَحُزْ إلْحَاقُهُ بِهِ مَعَ يَقِينِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهُ.
وَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ مَقْطُوعِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، لَمْ يَلْحَقْ نَسَبُهُ بِهِ. فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ الْإِنْزَالُ وَالْإِيلَاجُ. وَإِنْ قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ دُونَ ذَكَرِهِ، فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يُنْزِلُ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ; لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِيلَاجُ، وَيُنْزِلُ مَاءً رَقِيقًا. وَلَنَا. أَنَّ هَذَا لَا يُخْلَقُ مِنْهُ وَلَدٌ عَادَةً، وَلَا وُجِدَ ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ مَعَهُمَا، وَلَا اعْتِبَارَ بِإِيلَاجٍ لَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، كَمَا لَوْ أَوْلَجَ إصْبَعَهُ. وَأَمَّا قَطْعُ ذَكَرِهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسَاحِقَ، فَيُنْزِلَ مَاءً يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ، عَلَى نَحْو مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ عِنْدَنَا.
قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ: لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ. فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْحَقُهُ بِالْفِرَاشِ. وَهُوَ غَلَطٌ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَلْحَقُ بِالْفِرَاشِ إذَا أَمْكَنَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ بَعْدَ شَهْرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَلْحَقْهُ، وَهَاهُنَا لَا يُمْكِنُ ; لِفَقْدِ الْمَنِيِّ مِنْ الْمَسْلُولِ، وَتَعَذُّرِ إيصَالِ الْمَنِيِّ إلَى قَعْرِ الرَّحِمِ مِنْ الْمَجْبُوبِ. وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَسْتَدْخِلَ الْمَرْأَةُ مَنِيَّ الرَّجُلِ، فَتَحْمِلَ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا، وَلِذَلِكَ يَأْخُذُ الشَّبَهَ مِنْهُمَا، وَإِذَا اسْتَدْخَلَتِ الْمَنِيَّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، لَمْ تَحْدُثْ لَهَا لَذَّةٌ تُمْنِي بِهَا، فَلَا يَخْتَلِطُ نَسَبُهُمَا، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَ الْأَجْنَبِيَّانِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ إذَا تَصَادَقَا أَنَّهَا اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّهُ، وَأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنِيِّ، يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَمَا قَالَ ذَلِكَ أَحَدٌ.
(6279) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ، فَوَضَعَتْ وَلَدًا، ثُمَّ وَلَدَتْ آخِرَ قَبْلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهُوَ مِنْ الزَّوْجِ ; لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ، فَالْآخَرُ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمْ يَلْحَقْ الزَّوْجَ، وَانْتَفَى عَنْهُ مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدَانِ حَمْلًا وَاحِدًا وَبَيْنَهُمَا مُدَّةُ الْحَمْلِ، فَعُلِمَ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ. وَإِنْ طَلَّقَهَا، فَاعْتَدَّتْ بِالْأَقْرَاءِ، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا قَبْلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ آخِرِ إقْرَائِهَا، لَحِقَهُ ; لِأَنَّنَا تَيَقَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَحْمِلْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَنَعْلَمُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِهِ فِي زَمَنِ رُؤْيَةِ الدَّمِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الدَّمُ حَيْضًا، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِهِ وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يَلْحَقْ بِالزَّوْجِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَلْحَقُ بِهِ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، وَالْوَلَدُ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ. وَلَنَا، أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ، كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِمْكَانُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا بَعْدَهُمَا، فَلَا يُكْتَفَى بِالْإِمْكَانِ لِلَحَاقِهِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِالْإِمْكَانِ لِنَفْيِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِرَاشَ سَبَبٌ، وَمَعَ وُجُودِ السَّبَبِ يُكْتَفَى بِإِمْكَانِ الْحِكْمَةِ وَاحْتِمَالِهَا، فَإِذَا انْتَفَى