فهرس الكتاب

الصفحة 2707 من 3896

هُوَ وَلَدِي مِنْك. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْمَرْأَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ الْوِلَادَةَ يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، كَالدَّيْنِ.

قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهَا لِلْوِلَادَةِ، فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِهَا، وَلَا دَعْوَى الْأَمَةِ لَهَا لِتَصِيرَ بِهَا أُمَّ وَلَدٍ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهَا لِتَقْضِيَ عِدَّتَهَا بِهَا. فَعَلَى هَذَا لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ إلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً، وَهِيَ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ، تَشْهَدُ بِوِلَادَتِهَا لَهُ فَإِذَا ثَبَتَتْ وِلَادَتُهَا لَهُ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ ; لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {: وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} . وَتَحْرِيمُ كِتْمَانِهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْمَرْأَةِ، تَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ، كَالْحَيْضِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ، كَالْحَيْضِ.

فَعَلَى هَذَا، النَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ، وَهَلْ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ ; لِأَنَّ إنْكَارَهُ لِوِلَادَتِهَا إيَّاهُ، إقْرَارٌ بِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْهُ مِنْ زِنًا، فَلَا يُقْبَلُ إنْكَارُهُ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِنَفْسِهِ. وَالثَّانِي، لَهُ نَفْيُهُ ; لِأَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ، وَنَافٍ لِوَلَدِهَا، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ، كَغَيْرِهِ.

(6278) فَصْلٌ: وَمَنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ فِي النِّكَاحِ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْيِهِ ; لِأَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ عَقِيبَ نِكَاحِهِ لَهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، فِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ طِفْلًا لَهُ أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، فَأَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ، لَمْ يَلْحَقْهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ وَلَدٌ لِمِثْلِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ. وَإِنْ كَانَ لَهُ عَشْرٌ، فَحَمَلْت امْرَأَتُهُ، لَحِقَهُ وَلَدُهَا ; لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ} وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْحَقُ بِهِ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِتِسْعَةِ أَعْوَامٍ وَنِصْفِ عَامٍ مُدَّةِ الْحَمْلِ ; لِأَنَّ الْجَارِيَةَ يُولَدُ لَهَا لِتِسْعٍ، فَكَذَلِكَ الْغُلَامُ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْحَقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمَاءِ، وَلَا يَنْزِلُ حَتَّى يَبْلُغَ. وَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْبُلُوغُ فِيهِ، فَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، كَالْبَالِغِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا اثْنَا عَشَرَ عَامًا، وَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، دَلِيلٌ عَلَى إمْكَانِ الْوَطْءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْوِلَادَةِ، وَأَمَّا قِيَاسُ الْغُلَامِ عَلَى الْجَارِيَةِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْجَارِيَةَ يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِتِسْعٍ عَادَةً، وَالْغُلَامُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ لَتِسْعٍ، وَقَدْ تَحِيضُ لَتِسْعٍ، وَمَا عُهِدَ بُلُوغُ غُلَامٍ لَتِسْعٍ.

وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً فِي مَجْلِسٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِيهِ قَبْلَ غَيْبَتِهِ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، أَوْ تَزَوَّجَ مَشْرِقِيٌّ بِمَغْرِبِيَّةٍ، ثُمَّ مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ، لَمْ يَلْحَقْهُ. وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَلْحَقُهُ بِالْعَقْدِ، وَمُدَّةِ الْحَمْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّكُمْ قُلْتُمْ: إذَا مَضَى زَمَانُ الْإِمْكَانِ، لَحِقَ الْوَلَدُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْوَطْءُ. وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إمْكَانُ الْوَطْءِ بِهَذَا الْعَقْدِ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ، كَزَوْجَةِ ابْنِ سَنَةٍ، أَوْ كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت