حَنِثَ. وَإِنْ وَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ، أَوْ جَيْبِهِ، أَوْ صُنْدُوقِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ، حَنِثَ ; لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ. وَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ اخْتِيَارًا، لِيَدْفَعَهُ إلَى الْغَرِيمِ، فَدَفَعَهُ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَدَفَعَهُ إلَى الْغَرِيمِ، حَنِثَ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَيْهِ مُخْتَارًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهُ إلَى وَكِيله، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَلِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى الْأَسْبَابِ، لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
(6003) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ رَأَيْت أَبَاكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَرَأَتْهُ مَيِّتًا، أَوْ نَائِمًا، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ رَأَتْهُ مِنْ خَلْفِ زُجَاجٍ، أَوْ جِسْمٍ شَفَّافٍ، طَلُقَتْ ; لِأَنَّهَا رَأَتْهُ، وَإِنْ رَأَتْ خَيَالَهُ فِي مَاءٍ، أَوْ مِرْآةٍ، أَوْ صُورَتَهُ عَلَى حَائِطٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ تَطْلُقْ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَرَهُ، وَإِنْ أُكْرِهَتْ عَلَى رُؤْيَتِهِ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
(6004) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ. لَزِمَهُ تَطْلِيقَتَانِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا أَنْ قَدْ وَقَعَتْ بِهَا الْأُولَى، فَتَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا ; لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ. مَرَّتَيْنِ. وَنَوَى بِالثَّانِيَةِ إيقَاعَ طَلْقَةٍ ثَانِيَةٍ، وَقَعَتْ بِهَا طَلْقَتَانِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ نَوَى بِهَا إفْهَامَهَا أَنَّ الْأُولَى قَدْ وَقَعَتْ بِهَا، أَوْ التَّأْكِيدَ، لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: تَطْلُقُ وَاحِدَةً ; لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ وَالْإِفْهَامِ، وَيَحْتَمِلُ الْإِيقَاعَ، فَلَا تُوقَعُ طَلْقَةٌ بِالشَّكِّ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لِلْإِيقَاعِ، وَيَقْتَضِي الْوُقُوعَ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْ ذَلِكَ بِنِيَّةِ التَّأْكِيدِ وَالْإِفْهَامِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَقَعَ مُقْتَضَاهُ، كَمَا يَجِب الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ. فِي الْعَامِّ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُخَصِّصُ، وَبِالْإِطْلَاقِ فِي الْمُطْلَقِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُقَيِّدُ. فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَا تَطْلُقُ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ نَوَى الْإِيقَاعَ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ مُنْفَصِلًا، أَوْ مُتَّصِلًا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعِكْرِمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَابْن الْمُنْذِرِ. وَذَكَرُهُ الْحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ يَقَعُ بِهَا تَطْلِيقَتَانِ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، إذَا كَانَ مُتَّصِلًا ; لِأَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَاقٌ مُفَرَّقٌ، فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَمْ تَقَعْ الْأُولَى، كَمَا لَوْ فَرَّقَ كَلَامَهُ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِطَلْقَةٍ، لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، فَتُصَادِفُهَا الطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ بَائِنًا، فَلَمْ يُمْكِنْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا ; لِأَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَةٍ، وَإِنَّمَا تَطْلُق الزَّوْجَةُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَة، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
(6005) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ مَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا، طَلُقَتْ ثَانِيَةً، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: نَوَيْت التَّوْكِيدَ ; لِأَنَّ التَّوْكِيدَ تَابِعٌ لِلْكَلَامِ، فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ، كَسَائِرِ التَّوَابِعِ ; مِنْ الْعِطْفِ، وَالصِّفَةِ، وَالْبَدَلِ.