تَعْلِيقًا لِلطَّلَاقِ عَلَى صِفَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ، كَانَ يَمِينًا، فَيُعْذَرُ فِيهَا بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وَقَرَائِنُ أَحْوَالِهِ، الدَّالَّةُ عَلَى قَصْدِهِ، فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ الْقَادِمِ مِنْ الْقُدُومِ، كَانَ يَمِينًا، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ جَعْلَهُ صِفَةً فِي مُطْلَقَةٍ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَيَسْتَوِي فِيهِ عِلْمُ الْقَادِمِ وَجَهْلُهُ، وَنِسْيَانُهُ، وَجُنُونُهُ وَإِفَاقَتُهُ، مِثْل أَنْ يَقْصِدَ طَلَاقَهَا إذَا حَصَلَ مَعَهَا مَحْرَمُهَا، وَلَا يُطَلِّقُهَا وَحْدَهَا، وَتُعْتَبَرُ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ ; فَمَتَى عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى قُدُومِ غَائِبٍ بَعِيدٍ، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْيَمِينَ وَلَا يَمْتَنِعُ بِهَا، أَوْ عَلَى فِعْلِ صَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ بِهَا، لَمْ تَكُنْ يَمِينًا.
وَإِنْ عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ حَاضِرٍ يَعْلَمُ بِيَمِينِهِ، وَيَمْتَنِعُ لِأَجَلِهَا مِنْ فِعْلِ مَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَيْهِ، كَانَ يَمِينًا. وَمَتَى أَشْكَلَتْ الْحَالُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ، فَمَتَى شَكَكْنَا فِي الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ، وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ.
(6001) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ تَرَكْت هَذَا الصَّبِيَّ يَخْرُجُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَانْفَلَتَ الصَّبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، فَخَرَجَ، فَإِنْ كَانَ نَوَى أَنْ لَا يَخْرُجَ فَقَدْ حَنِثَ، وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا تَدَعَهُ، لَمْ يَحْنَثْ. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَعْنَى هَذَا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى فِعْلِهَا، فَقَدْ فَعَلَ الْخُرُوجَ عَلَى غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهَا، فَكَانَتْ كَالْمُكْرَهِ إذْ لَمْ يُمْكِنْهَا حِفْظُهُ وَمَنْعُهُ. وَإِنْ نَوَى فِعْلَهُ، فَقَدْ وُجِدَ، وَحَنِثَ. وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ نِيَّتُهُ، انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى فِعْلِهَا ; لِأَنَّهُ الَّذِي تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ، فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا خَرَجَ بِتَفْرِيطِهَا فِي حِفْظِهِ أَوْ اخْتِيَارِهَا.
(6002) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا تَأْخُذُ حَقَّك مِنِّي، فَأُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا، حَنِثَ ; لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَخْذِ، وَقَدْ أَخَذَهُ مُخْتَارًا. وَإِنْ أُكْرِهَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى أَخْذِهِ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فِي مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْقُدُومِ. وَإِنْ وَضَعَهُ الْحَالِفُ فِي حِجْرِهِ، أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ إلَى جَنْبِهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ الْأَخْذَ مَا وُجِدَ. وَإِنْ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ أَوْ السُّلْطَانُ مِنْ الْغَرِيمِ، فَدَفَعَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَأَخَذَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ. وَإِنْ قَالَ: لَا تَأْخُذْ حَقَّك عَلَيَّ. حَنِثَ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ حَقَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الصُّورَتَيْنِ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُهُ ; لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عِنْدَهُ عَلَى الْأَسْبَابِ، لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا، فَأَخَذَهُ مِنْهُ، كَانَ آخِذًا لِحَقِّهِ مِنْهُ عُرْفًا، وَيُسَمَّى آخِذًا ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} . وَقَالَ: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} . وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَحَلَفَ: لَا أَخَذْت حَقِّي مِنْك. فَالتَّفْرِيعُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. فَإِنْ تَرَكَهَا الْغَرِيمُ فِي أَثْنَاءِ مَتَاعٍ فِي خُرْجٍ، ثُمَّ دَفَعَ الْخُرْجَ إلَى الْحَالِفِ، فَأَخَذَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا فِيهِ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَعْدُودٍ أَخْذًا، وَلَا يَبْرَأُ بِهِ الْغَرِيمُ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ: لَا أُعْطِيتُك حَقَّك، فَأَخَذَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ كُرْهًا، فَدَفَعَهُ إلَى الْغَرِيم، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَدَفَعَهُ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُكْرَهِ. وَإِنْ أَعْطَاهُ بِاخْتِيَارِهِ،