فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ تَشَائِي ثَلَاثًا. فَلَمْ تَشَأْ، أَوْ شَاءَتْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً. وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت ثَلَاثًا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَطْلُق ثَلَاثًا. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ: لَا تَطْلُقُ إذَا شَاءَتْ ثَلَاثًا ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، فَتَقْدِيرُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ تَشَائِي ثَلَاثًا فَلَا تَطْلُقِي، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: ثَلَاثًا لَمَا طَلُقَتْ بِمَشِيئَتِهَا ثَلَاثًا، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: ثَلَاثًا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الثَّلَاثَ صِفَةً لِمَشِيئَتِهَا الرَّافِعَة لِطَلَاقِ الْوَاحِدَةِ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ تُكَرِّرِي بِمَشِيئَتِك ثَلَاثًا. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا تَطْلُق ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي، تَطْلُقُ ثَلَاثًا ; لِأَنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ إيقَاعُ الثَّلَاثِ إذَا شَاءَتْهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِثَالِثَةٍ، وَخُذْ دِرْهَمًا إلَّا أَنْ تُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ} . أَيْ إنَّ بِيعَ الْخِيَارِ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِيهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، إلَّا أَنْ تَشَائِي وَاحِدَةً. فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت وَاحِدَةً. طَلُقَتْ وَاحِدَةً، عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ. وَعَلَى قَوْلِهِمْ: لَا تَطْلُقُ شَيْئًا.
(5979) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِمَشِيئَةِ فُلَانٍ. أَوْ: لِرِضَاهُ. أَوْ: لَهُ. طَلُقَتْ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ لِكَوْنِهِ قَدْ شَاءَ ذَلِكَ، أَوْ رَضِيَهُ، أَوْ لِيَرْضَى بِهِ، كَقَوْلِهِ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ لِرِضَى اللَّهِ. فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ الشَّرْطَ. دُيِّنَ. قَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ ; فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ. وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
(5980) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَحْبَبْت. أَوْ: إنْ أَرَدْت. أَوْ: إنْ كَرِهْت. احْتَمَلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بُقُولِهَا بِلِسَانِهَا: قَدْ أَحْبَبْت. أَوْ: أَرَدْت. أَوْ: كَرِهْت. لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي الْقَلْبِ، لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ قِبَلِهَا، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِقَوْلِهَا، كَالْمَشِيئَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ، وَيَكُونَ اللِّسَانُ دَلِيلًا عَلَيْهِ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِوُجُودِهِ، وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، وَلَوْ قَالَتْ: أَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَتْ: كُنْت كَاذِبَةً. لَمْ تَطْلُقْ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ بِالنَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَقَالَتْ: أَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ. فَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا، فِلْمُ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ، وَفِيهَا احْتِمَالَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا تَطْلُقُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ فِي الْقَلْبِ، وَلَا تُوجَدُ مِنْ أَحَدٍ مَحَبَّةُ ذَلِكَ، وَخَبَرُهَا بِحُبِّهَا لَهُ كَذِبٌ مَعْلُومٌ، فَلَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا عَلَى مَا فِي قَلْبِهَا. وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي، أَنَّهَا تَطْلُقُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يُوقَف عَلَيْهِ إلَّا مِنْ لِسَانِهَا، فَاقْتَضَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِلَفْظِهَا بِهِ، كَاذِبَةً كَانَتْ أَوْ صَادِقَةً، كَالْمَشِيئَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ ذَلِكَ. وَبَيْن قَوْلِهِ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ. لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْقَلْبِ.
(5981) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. طَلُقَتْ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. عَتَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَقَالَ: لَيْسَ هُمَا مِنْ الْأَيْمَانِ. وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ،