فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالْعِتْقِ، وَفَارَقَ: اخْتَارِي. فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِ، إنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ، فَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ. وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَهُ الْمَشِيئَةُ، أَوْ جُنَّ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ لَمْ يُوجَد. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ يَقَعُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَا يَقَعُ إذَا تَعَذَّرَ شَرْطُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَإِنْ شَاءَ. وَهُوَ مَجْنُونٌ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ ; لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ. وَإِنْ شَاءَ، وَهُوَ سَكْرَانُ. فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ; لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَلَاقِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إيقَاعَ طَلَاقِهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ، كَيْ لَا تَكُونَ الْمَعْصِيَةُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ، وَهَاهُنَا إنَّمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ، وَإِنْ شَاءَ، وَهُوَ طِفْلٌ، لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ. وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ الطَّلَاقَ، وَقَعَ ; لِأَنَّ لَهُ مَشِيئَةً، وَلِذَلِكَ صَحَّ اخْتِيَارُهُ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ. وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ، فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ إشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ طَلَاقُهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ نَاطِقًا حَالَ التَّعْلِيقِ، فَخَرِسَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا ; لِأَنَّ طَلَاقَهُ فِي نَفْسِهِ يَقَعُ بِهَا، فَكَذَلِكَ طَلَاقُ مَنْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةٍ. وَالثَّانِي، لَا يَقَعُ بِهَا ; لِأَنَّهُ حَالَ التَّعْلِيقِ، كَانَ لَا يَقَعُ إلَّا بِالنُّطْقِ، فَلَمْ يَقَعْ بِغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي التَّعْلِيقِ: إنْ نَطَقَ فُلَانٌ بِمَشِيئَتِهِ فَهِيَ طَالِقٌ.
(5976) فَصْلٌ: فَإِنْ قَيَّدَ الْمَشِيئَةَ بِوَقْتٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت الْيَوْمَ. تَقَيَّدَ بِهِ، فَإِنْ خَرَجَ الْيَوْمُ قَبْلَ مَشِيئَتهَا لَمْ تَطْلُقْ. وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ اثْنَيْنِ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تُوجَدَ مَشِيئَتُهُمَا، وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا أَنَّهُ يَقَعُ بِمَشِيئَةِ أَحَدِهِمَا، كَمَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا. فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت وَشَاءَ أَبُوك. فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ شَاءَ أَبِي. فَقَالَ أَبُوهَا: قَدْ شِئْت. لَمْ تَطْلُقْ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَشَأْ، فَإِنَّ الْمَشِيئَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت. فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ شِئْت. فَقَالَ: قَدْ شِئْت. أَوْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ. لَمْ يَقَعْ.
نَصَّ أَحْمَدُ، عَلَى مَعْنَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت. فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ شَاءَ فُلَانٌ. أَنَّهَا قَدْ رَدَّتْ الْأَمْرَ، وَلَا يَلْزَمُهَا الطَّلَاقُ وَإِنْ شَاءَ فُلَانٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهَا مَشِيئَةٌ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهَا تَعْلِيقُ مَشِيئَتِهَا بِشَرْطٍ، وَلَيْسَ تَعْلِيقُ الْمَشِيئَةِ بِشَرْطِ مَشِيئَةٍ. وَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَشِيئَةِ اثْنَيْنِ، فَشَاءَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْآخَرُ عَلَى التَّرَاخِي، وَقَعَ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
(5977) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ تَشَائِي. أَوْ: يَشَاءَ زَيْدٌ. فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت. لَمْ تَطْلُقْ. وَإِنْ أَخَّرَا ذَلِكَ طَلُقَتْ وَإِنْ. جُنَّ مَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَتِهِ، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ. فَإِنْ خَرِسَ فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِإِشَارَتِهِ إذَا عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَته.