فهرس الكتاب

الصفحة 2520 من 3896

رَدَدْت عَلَيْك سَفِهْتَك. بَطَلَ الْخِيَارُ. وَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْت أَهْلِي. أَوْ أَبَوَيَّ. وَنَوَتْ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ هَذَا يَصْلُحُ كِنَايَةً مِنْ الزَّوْجِ، فِيمَا إذَا قَالَ: الْحَقِي بِأَهْلِك. فَكَذَلِكَ مِنْهَا. وَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْت الْأَزْوَاجَ. فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَحِلُّونَ إلَّا بِمُفَارِقَةِ هَذَا الزَّوْجِ، وَلِذَلِكَ كَانَ كِنَايَةً مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: انْكِحِي مَنْ شِئْت.

(5894) فَصْلٌ: فَإِنْ كَرَّرَ، لَفْظَةَ الْخِيَارِ، فَقَالَ: اخْتَارِي، اخْتَارِي، اخْتَارِي. فَقَالَ: أَحْمَدُ إنْ كَانَ إنَّمَا يُرَدِّدُ عَلَيْهَا لِيُفْهِمَهَا، وَلَيْسَ نِيَّتُهُ ثَلَاثًا، فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ ثَلَاثًا، فَهِيَ ثَلَاثٌ، فَرَدَّ الْأَمْرَ إلَى نِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَبِلَتْ، وَقَعَ ثَلَاثًا ; لِأَنَّهُ كَرَّرَ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، فَتَكَرَّرَ، كَمَا لَوْ كَرَّرَ الطَّلَاقَ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ، فَإِذَا قَصَدَهُ قُبِلَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّ تَكْرِيرَ التَّخْيِيرِ لَا يَزِيدُ بِهِ الْخِيَارُ، كَشَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي. فَقَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي. هِيَ وَاحِدَةٌ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: اخْتَارِي، اخْتَارِي، اخْتَارِي. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا. وَنَحْوُهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَمَالِكٌ ; لِأَنَّ اللَّفْظَةَ الْوَاحِدَةَ تَقْتَضِي طَلْقَةً، فَإِذَا تَكَرَّرَتْ اقْتَضَتْ ثَلَاثًا، كَلَفْظَةِ الطَّلَاقِ.

(5895) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك. وَنَوَى عَدَدًا، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى. وَإِنْ أَطْلَقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لَمْ يَمْلِكْ إلَّا وَاحِدَةً ; لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا، فَقَالَ: طَلِّقْ زَوْجَتِي. فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك. وَنَوَى ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، فَهِيَ ثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَ نَوَى وَاحِدَةً، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا، فَأَيُّهُمَا نَوَاهُ فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا احْتَمَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ تَنَاوَلَ الْيَقِينَ، وَهُوَ الْوَاحِدَةُ. فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، أَوْ طَلَّقَهَا الْوَكِيلُ فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك، تَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ ; لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ لِلطَّلَاقِ إلَيْهَا، فَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي.

وَلَنَا، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي الطَّلَاقِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَتَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ، وَكَقَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك. وَفَارَقَ: اخْتَارِي. فَإِنَّهُ تَخْيِيرٌ. وَمَا ذَكَرَهُ يَنْتَقِضُ بِقَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك. وَلَهَا أَنْ تُوقِعَ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ، وَبِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تُوقِعَهُ بِالْكِنَايَةِ ; لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إلَيْهَا بِلَفْظِ الصَّرِيحِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُوقِعَ غَيْرَ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا. وَلَنَا، أَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ، وَقَدْ أَوْقَعَتْهُ، فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ أَوْقَعَتْهُ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ. وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّ التَّوْكِيلَ فِي شَيْءٍ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إيقَاعُهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ مِنْ جِهَتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: بِعْ دَارِي. جَازَ لَهُ بَيْعُهَا بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ. وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي ثَلَاثًا فَطَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَقَعَ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَمْتَثِلْ أَمَرَهُ.

وَلَنَا، أَنَّهَا مَلَكَتْ إيقَاعَ ثَلَاثٍ، فَمَلَكَتْ إيقَاعَ وَاحِدَةٍ، كَالْمُوَكَّلِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَهَبْتُك هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ الثَّلَاثَةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت