فهرس الكتاب

الصفحة 2389 من 3896

حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: {إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ} . وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحٍ يَقْتَضِي عِوَضًا، فَلَمْ يُعْرَ عَنْ الْعِوَضِ، كَمَا لَوْ سَمَّى مَهْرًا. وَأَدَاءُ الْوَاجِبِ مِنْ الْإِحْسَانِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا.

(5600) فَصْلٌ: فَإِنْ فَرَضَ لَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهَا نِصْفُ مَا فَرَضَ لَهَا، وَلَا مُتْعَةَ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ، يَسْقُطُ الْمَهْرُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ نِكَاحٌ عَرِيَ عَنْ تَسْمِيَتِهِ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْمُتْعَةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} . وَلِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ يَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ، فَتُنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَهُ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ.

(5601) فَصْلٌ: وَمَنْ أَوْجَبَ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ، لَمْ تَجِبْ لَهَا مُتْعَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ سُمِّيَ لَهَا صَدَاقٌ أَوْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا لَكِنْ فُرِضَ بَعْدَ الْعَقْدِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي مَنْ سُمِّيَ لَهَا. وَهُوَ قَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} .

وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: عَلَيْهِ السَّلَامُ {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} إلَى قَوْلِهِ {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُفَوِّضَةً أَوْ مُسَمًّى لَهَا، مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَهَا ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تَجِبُ إلَّا لِلْمُفَوِّضَةِ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا إذَا طَلُقَتْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا أَعْلَمُ، رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِالْمُتْعَةِ إلَّا لِمَنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرٌ، إلَّا حَنْبَلًا، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدِي لَوْلَا تَوَاتُرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ بِخِلَافِهَا.

وَلَنَا: قَوْله تَعَالَى {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} . ثُمَّ قَالَ: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} . فَخَصَّ الْأُولَى بِالْمُتْعَةِ، وَالثَّانِيَةَ بِنِصْفِ الْمَفْرُوضِ، مَعَ تَقْسِيمِهِ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ، وَإِثْبَاتِهِ لِكُلِّ قِسْمٍ حُكْمًا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ قِسْمٍ بِحُكْمِهِ، وَهَذَا يَخُصُّ مَا ذَكَرُوهُ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ بِالْمَتَاعِ فِي غَيْرِ الْمُفَوِّضَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ; لِدَلَالَةِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهَا، جَمْعًا بَيْنَ دَلَالَةِ الْآيَاتِ وَالْمَعْنَى، فَإِنَّهُ عِوَضٌ وَاجِبٌ فِي عَقْدٍ، فَإِذَا سُمِّيَ فِيهِ عِوَضٌ صَحِيحٌ، لَمْ يَجِبْ غَيْرُهُ، كَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ قَبْلَ الْفُرْقَةِ، وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَلَمْ تَجِبْ لَهَا عِنْدَ الْفُرْقَةِ، كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت