فهرس الكتاب

الصفحة 2388 من 3896

كَالنَّفَقَةِ.

وَسَوَاءٌ تَرَكَا ذِكْرَ الْمَهْرِ، أَوْ شَرَطَا نَفْيَهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك بِغَيْرِ مَهْرٍ. فَيَقْبَلُهُ كَذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الثَّانِي. صَحَّ أَيْضًا. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، لِأَنَّهَا تَكُونُ كَالْمَوْهُوبَةِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحِ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ فِيمَا إذَا قَالَ: زَوَّجْتُك بِغَيْرِ مَهْرٍ. فَيَصِحُّ هَاهُنَا ; لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَمَا صَحَّ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ الْمُتَسَاوِيَتَيْنِ، صَحَّ فِي الْأُخْرَى.

وَلَيْسَتْ كَالْمَوْهُوبَةِ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ يَفْسُدُ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمُزَوَّجَةَ بِغَيْرِ مَهْرٍ تُسَمَّى مُفَوِّضَةً، بِكَسْرِ الْوَاو وَفَتْحِهَا، فَمِنْ كَسَرَ أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا فَاعِلَةٌ، مِثْلُ مُقَوِّمَةٍ، وَمِنْ فَتَحَ أَضَافَهُ إلَى وَلِيِّهَا. وَمَعْنَى التَّفْوِيضِ الْإِهْمَالُ، كَأَنَّهَا أَهْمَلَتْ أَمْرَ الْمَهْرِ، حَيْثُ لَمْ تُسَمِّهِ ; وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِر:

لَا يُصْلِحُ النَّاسَ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ وَلَا سَرَاةَ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا

يَعْنِي مُهْمَلِينَ.

وَالتَّفْوِيضُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ; تَفْوِيضُ بُضْعٍ، وَتَفْوِيضُ مَهْرٍ. فَأَمَّا تَفْوِيضُ الْبُضْعِ، فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، وَفَسَّرْنَاهُ، وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ التَّفْوِيضِ، وَأَمَّا تَفْوِيضُ الْمَهْرِ، فَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الصَّدَاقَ إلَى رَأْيِ أَحَدِهِمَا، أَوْ رَأْيِ أَجْنَبِيٍّ، فَيَقُولُ: زَوَّجْتُك عَلَى مَا شِئْت، أَوْ عَلَى حُكْمِك أَوْ عَلَى حُكْمِي، أَوْ حُكْمِهَا، أَوْ حُكْمِ أَجْنَبِيٍّ. وَنَحْوِهِ. فَهَذِهِ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهَا لَمْ تُزَوِّجْ نَفْسَهَا إلَّا بِصَدَاقٍ، لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ، فَسَقَطَ لِجَهَالَتِهِ، وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.

وَالتَّفْوِيضُ الصَّحِيحُ، أَنْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ الْجَائِزَةُ الْأَمْرُ لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ، أَوْ بِتَفْوِيضِ قَدْرِهِ، أَوْ يُزَوِّجَهَا أَبُوهَا كَذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ زَوَّجَهَا غَيْرُ أَبِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ مَهْرًا، بِغَيْرِ إذْنِهَا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ التَّفْوِيضُ إلَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَفْوِيضُهُ. فَإِذَا طَلُقَتْ الْمُفَوِّضَةُ الْبُضْعَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ.

نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الْوَاجِبَ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا ; لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَيُوجِبُ نِصْفَهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَمَا لَوْ سَمَّى مُحَرَّمًا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: الْمُتْعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ; لِأَنَّ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} فَخَصَّهُمْ بِهَا فَيَدُلُّ أَنَّهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِحْسَانِ وَالتَّفَضُّلِ، وَالْإِحْسَانُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ تَخْتَصَّ الْمُحْسِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ.

وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} . أَمْرٌ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت