فَصْلٌ: وَلِلْمُعْتَقَةِ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ; لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، غَيْرُ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حَاكِمٍ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَافْتَقَرَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، كَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ.
(5529) فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَارَتْ الْمُعْتَقَةُ الْفِرَاقَ، كَانَ فَسْخًا لَيْسَ بِطَلَاقٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، إلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ بَائِنٌ. قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا. وَاحْتَجَّ لَهُ بِقِصَّةِ زَبْرَاءَ حِينَ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْفِرَاقَ، فَمَلَكْت الطَّلَاقَ كَالرَّجُلِ
وَلَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ} . وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ، فَكَانَتْ فَسْخًا، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ، وَفِعْلُ زَبْرَاءَ لَيْسَ بِحُجَّةِ، وَلَمْ يَثْبُت انْتِشَارُهُ فِي الصَّحَابَةِ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي، أَوْ فَسَخْت النِّكَاحَ. انْفَسَخَ. وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي. وَنَوَتْ الْمُفَارَقَةَ، كَانَ كِنَايَةً عَنْ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، فَصَارَ كِنَايَةً عَنْهُ، كَالْكِنَايَةِ بِالْفَسْخِ عَنْ الطَّلَاقِ.
(5530) فَصْلٌ: وَإِنْ عَتَقَ زَوْجُ الْأَمَةِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْكَمَالِ فِي الزَّوْجَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ، وَلِذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ إلَّا فِي الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ. وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُطْلَقًا، فَبَانَتْ أَمَةً، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ. وَلَوْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ رَجُلًا مُطْلَقًا، فَبَانَ عَبْدًا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ، وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِدَامَةِ، لَكِنْ إنْ عَتَقَ وَوَجَدَ الطَّوْلَ لِحُرَّةٍ، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، تَقَدَّمَ ذَكَرُهُمَا.
(5531) فَصْلٌ: وَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ، فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: زِدْنِي فِي مَهْرِي. فَفَعَلَ، فَالزِّيَادَةُ لَهَا دُونَ سَيِّدهَا، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَسَوَاءٌ عَتَقَ مَعَهَا، أَوْ لَمْ يَعْتِقْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِيمَ إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ ثُمَّ عَتَقَا جَمِيعًا، فَقَالَتْ الْأَمَةُ: زِدْنِي فِي مَهْرِي. فَالزِّيَادَةُ لِلْأَمَةِ لَا لِلسَّيِّدِ. فَقِيلَ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الزَّوْجُ لِغَيْرِ السَّيِّدِ، لِمَنْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ ؟ قَالَ: لِلْأَمَةِ
وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا، لَوْ زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا، ثُمَّ بَاعَهَا، فَزَادَهَا زَوْجُهَا فِي مَهْرِهَا، فَالزِّيَادَةُ لِلثَّانِي. وَقَالَ الْقَاضِي: الزِّيَادَةُ لِلسَّيِّدِ الْمُعْتِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّدَاقِ تَلْحَقُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَتَكُونُ كَالْمَذْكُورَةِ فِيهِ. وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الزِّيَادَةِ إنَّمَا ثَبَتَ حَالَ وُجُودِهَا، بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ سَيِّدِهَا عَنْهَا، فَيَكُونُ لَهَا، كَكَسْبِهَا وَالْمَوْهُوبِ لَهَا
وَقَوْلُنَا: إنَّ الزِّيَادَةَ تَلْحَقُ بِالْعَقْدِ. مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَلْزَمُ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا، وَيَصِيرُ الْجَمِيعُ صَدَاقًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا فِيهَا، وَكَانَ لِسَيِّدِهَا، فَإِنَّ هَذَا مُحَالٌ، وَلِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وُجِدَ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَقَدُّمِ الْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ ثَابِتًا لِلْمُعْتَقِ فِيهِ حِينَ التَّزْوِيجِ لَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ، وَكَانَ لَهُ نَمَاؤُهُ. وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ نُطِيلَ فِيهِ.