الدُّخُولِ وَالْفَرْضِ، فَلَا شَيْءَ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْمُتْعَةُ ; لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ مُسَمًّى وَجَبَ نِصْفُهُ.
(5526) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ أُعْتِقَتْ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ; لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي نِكَاحٍ، وَلَا نِكَاحَ هَاهُنَا. وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْعِدَّةِ ; لِأَنَّ نِكَاحَهَا بَاقٍ، فَيُمْكِنُ فَسْخُهُ، وَلَهَا فِي الْفَسْخِ فَائِدَةٌ ; لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ رَجْعَتَهُ لَهَا فِي آخِرِ عِدَّتِهَا، فَتَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عِدَّةٍ أُخْرَى إذَا فَسَخَتْ، فَإِذَا فَسَخَتْ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ، وَثَبَتَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَا تَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عِدَّةٍ ; لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يَفْسَخْ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَفْسَخُ حِينَئِذٍ ؟ قُلْنَا: إذًا تَحْتَاجُ إلَى عِدَّةٍ أُخْرَى. وَإِذَا فَسَخَتْ فِي عِدَّتِهَا، ثَبَتَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا، وَلَمْ تَحْتَجْ إلَى عِدَّةٍ أُخْرَى ; لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْفَسْخُ لَا يُنَافِيهَا وَلَا يَقْطَعُهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أُخْرَى، وَيَنْبَنِي عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ ; لِأَنَّهَا عَتَقَتْ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ. فَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ، بَطَلَ خِيَارُهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَبْطُلُ ; لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَ جَرَيَانِهَا إلَى الْبَيْنُونَةِ، وَذَلِكَ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْمَقَامِ. وَلَنَا، أَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ، فَصَحَّ اخْتِيَارُ الْمُقَامِ، كَصُلْبِ النِّكَاحِ. وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ شَيْئًا، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا ; لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَلِأَنَّ سُكُوتَهَا لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ لِجَرَيَانِهَا إلَى الْبَيْنُونَةِ، اكْتِفَاءً مِنْهَا بِذَلِكَ
فَإِنْ ارْتَجَعَهَا، فَلَهَا الْفَسْخُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ فَسَخَتْ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، بَقِيَتْ مَعَهُ بِطَلْقَةِ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ. وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ أُعْتِقَ، رَجَعَتْ مَعَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا، فَمَلَكَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ، كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ.
(5527) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا، وَقَبْلَ اخْتِيَارِهَا، أَوْ طَلَّقَ الصَّغِيرَةَ وَالْمَجْنُونَةَ بَعْدَ الْعِتْق، وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَبَطَلَ خِيَارُهَا ; لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ زَوْجٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَنَفَذَ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتِقْ. وَقَالَ الْقَاضِي: طَلَاقُهُ مَوْقُوفٌ. فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ طَلَاقَهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّهَا مِنْ الْخِيَارِ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ وَقَعَ. وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. وَبَنَوْا عَدَمَ الْوُقُوعِ عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى حَالَةِ الْعِتْقِ، فَيَكُونُ الطَّلَاقُ وَاقِعًا فِي نِكَاحٍ مَفْسُوخٍ
وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ، فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ عِتْقِهَا، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ تَخْتَرْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَسْخَ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ مِنْ حِينِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفُرْقَةِ عَلَيْهِ، إذْ الْحُكْمُ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تُبْتَدَأُ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ، لَا مِنْ حِينِ الْعِتْقِ، وَمَا سَبَقَهُ مِنْ الْوَطْءِ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، يُثْبِتُ الْإِحْصَانَ وَالْإِحْلَالَ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ الْفَسْخُ سَابِقًا عَلَيْهِ لَانْعَكَسَتْ الْحَالُ
وَقَوْلُ الْقَاضِي: إنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّهَا مِنْ الْفَسْخِ. غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْفَسْخِ، مَعَ زِيَادَةِ وُجُوبِ نِصْفِ الْمَهْرِ، وَتَقْصِيرِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ، لَا مِنْ حِينِ فَسْخِهِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ مُبْطِلًا لَحَقِّهَا، لَمْ يَقَعْ وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ الْفَسْخَ، كَمَا لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، سَوَاءٌ فَسَخَ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَفْسَخْ
وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، فَعَلَى قَوْلِهِمْ: إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ، سَقَطَ مَهْرُهَا ; لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ; لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالطَّلَاقِ. وَهَكَذَا لَوْ ارْتَدَّتْ أَوْ أَسْلَمْت الْكَافِرَةُ.