وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبِّرْ كَبِّرْ. أَيْ قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ. وَإِنْ تَشَاحُّوا وَلَمْ يُقَدِّمُوا الْأَكْبَرَ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ; لِأَنَّ حَقَّهُمْ اسْتَوَى فِي الْقَرَابَةِ، وَقَدْ {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ،} لِتَسَاوِي حُقُوقِهِنَّ.
كَذَا هَا هُنَا. فَإِنْ بَدَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَزَوَّجَ كُفُؤًا بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ، صَحَّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْغَرَ الْمَفْضُولَ الَّذِي وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِلِ الْوِلَايَةِ، بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِإِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ.
(5242) قَالَ: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَمْ يُصِبْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ بَعْدَ آخِرِ وَقْتٍ وَطِئَهَا الثَّانِي. أَمَّا إذَا عُلِمَ الْحَالُ قَبْلَ وَطْءِ الثَّانِي لَهَا، فَإِنَّهَا تُدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي ; لِأَنَّ عَقْدَهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ لَا يُوجِبُ شَيْئًا. وَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَهُوَ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ يَجِبُ لَهَا بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَتُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ، إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَلَمْ تَحْمِلْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ: لَهَا صَدَاقٌ بِالْمَسِيسِ، وَصَدَاقٌ مِنْ هَذَا. وَلَا يُرَدُّ الصَّدَاقُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الدَّاخِلِ بِهَا عَلَى الَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَكَانَ لَهَا دُونَ زَوْجِهَا، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً. وَلَا يَحْتَاجُ هَذَا النِّكَاحُ الثَّانِي إلَى فَسْخٍ ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ. وَلَا يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ إلَّا بِالْوَطْءِ، دُونَ مُجَرَّدِ الدُّخُولِ وَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ ; لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ. وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ بِالْإِصَابَةِ لَا بِالتَّسْمِيَةِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُسَمَّى.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ ; لِمَا قُلْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(5243) قَالَ: فَإِنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، فُسِخَ النِّكَاحَانِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ لَا يُعْلَمَ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهِمَا، أَوْ يُعْلَمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ يُعْلَمَ بِعَيْنِهِ ثُمَّ يُشَكَّ، فَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَفْسَخَ الْحَاكِمُ النِّكَاحَيْنِ جَمِيعًا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ أُمِرَ صَاحِبُهُ بِالطَّلَاقِ.
ثُمَّ يُجَدِّدُ الْقَارِعُ نِكَاحَهُ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ، لَمْ يَضُرَّهُ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةَ الْآخَرِ، بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقِهِ، وَصَارَتْ زَوْجَةَ هَذَا بِعَقْدِهِ الثَّانِي ; لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تَدْخُلُ بِتَمَيُّزِ الْحُقُوقِ عِنْدَ التَّسَاوِي، كَالسَّفَرِ بِإِحْدَى نِسَائِهِ، وَالْبُدَاءَةِ بِالْمَبِيتِ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ، وَتَعْيِينِ الْأَنْصِبَاءِ فِي الْقِسْمَةِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: يُجْبِرُهُمَا السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً، فَإِنْ أَبَيَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِنَا الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إمْضَاءُ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، فَوَجَبَ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِالتَّفْرِيقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: النِّكَاحُ مَفْسُوخٌ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إمْضَاؤُهُ
وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ إشْكَالِهِ، كَمَا لَوْ