وَصَارَ الْوَلَاءُ لِلثَّانِي. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقِيلَ: الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. وَقِيلَ: الْوَلَاءُ لِلْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ أَسْبَقُ. وَلَنَا، أَنَّ السَّبْيَ يُبْطِلُ مِلْكَ الْأَوَّلِ الْحَرْبِيِّ، فَالْوَلَاءُ التَّابِعُ لَهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ بَطَلَ بِاسْتِرْقَاقِهِ، فَلَمْ يَعُدْ بِإِعْتَاقِهِ
وَإِنْ أَعْتَقَ ذِمِّيٌّ عَبْدًا كَافِرًا، فَهَرَبَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَاسْتَرَقَّ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ الْحَرْبِيُّ سَوَاءٌ. وَإِنْ أَعْتَقَ مُسْلِمٌ كَافِرًا، فَهَرَبَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ، فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ إبْطَالَ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ. قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ: وَلِأَنَّ لَهُ أَمَانًا بِعِتْقِ الْمُسْلِمِ إيَّاهُ. وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِ ; لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ كِتَابِيٌّ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ كَمُعْتَقِ الْحَرْبِيِّ، وَكَغَيْرِ الْمُعْتَقِ
وَقَوْلُهُمْ: فِي اسْتِرْقَاقِهِ إبْطَالُ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلْ مَتَى أُعْتِقَ عَادَ الْوَلَاءُ لِلْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَمَلُهُ فِي حَالِ رِقِّهِ لِمَانِعٍ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِ إبْطَالَ وَلَائِهِ، فَكَذَلِكَ فِي قَتْلِهِ، وَقَدْ جَازَ إبْطَالُ وَلَائِهِ بِالْقَتْلِ، فَكَذَلِكَ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَلِأَنَّ الْقَرَابَةَ يَبْطُلُ عَمَلُهَا بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ. وَقَوْلُ ابْنِ اللَّبَّانِ: لَهُ أَمَانٌ. لَا يَصِحُّ ; فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَمَانٌ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا سَبْيُهُ. فَعَلَى هَذَا. إنْ اُسْتُرِقَّ ثُمَّ أُعْتِقَ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِلثَّانِي ; لِأَنَّ الْحُكْمَيْنِ إذَا تَنَافَيَا كَانَ الثَّابِتُ هُوَ الْآخَرُ مِنْهُمَا، كَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
وَاحْتُمِلَ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ ; لِأَنَّ وَلَاءَهُ ثَبَتَ وَهُوَ مَعْصُومٌ، فَلَا يَزُولُ بِالِاسْتِيلَاءِ، كَحَقِيقَةِ الْمِلْكِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَأَيُّهُمَا مَاتَ كَانَ لِلثَّانِي. وَإِنْ أَعْتَقَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا، أَوْ أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ، فَارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَسُبِيَ، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ. وَإِنْ اُشْتُرِيَ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ الْقَتْلُ.
(4998) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا أَنْ يَأْذَنَ لِمَوْلَاهُ فَيُوَالِي مَنْ شَاءَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَطَاوُسٌ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَكَرِهَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَيْعَ الْوَلَاءِ. قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إنَّمَا الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ فَيَبِيعُ الرَّجُلُ نَسَبَهُ،.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ مُكَاتَبًا. وَرُوِيَ أَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ مَوَالِيهَا لِلْعَبَّاسِ. وَوَلَاؤُهُمْ الْيَوْمَ لَهُمْ. وَأَنَّ عُرْوَةَ ابْتَاعَ وَلَاءَ طَهْمَانَ لِوَرَثَةِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجِ: قُلْت لِعَطَاءٍ أَذِنْت لِمَوْلَايَ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ فَيَجُوزُ ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. وَقَالَ: {الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ} . وَقَالَ {: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ} . وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُورَثُ بِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ كَالْقَرَابَةِ. وَفِعْلُ هَؤُلَاءِ شَاذٌّ يُخَالِفُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ، وَتَرُدُّهُ السُّنَّةُ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
(4999) فَصْلٌ: وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنْ الْمُعْتَقِ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ، وَإِنَّمَا يَرِثُونَ الْمَالَ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُعْتَقِ. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَابْن قُسَيْطٍ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَدَاوُد
وَشَذَّ شُرَيْحٌ، وَقَالَ: الْوَلَاءُ كَالْمَالِ، يُورَثُ عَنْ الْمُعْتِقِ،