وَلِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْ الْوَلَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ وَالنَّفَقَةُ وَسُقُوطُ الْقِصَاصِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالْوَلَاءِ.
(4996) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَ دِينُ السَّيِّدِ وَعَتِيقِهِ، فَالْوَلَاءُ ثَابِتٌ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ} . وَلِقَوْلِهِ: {الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ} . وَلُحْمَةُ النَّسَبِ تَثْبُتُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِ لِإِنْعَامِهِ بِإِعْتَاقِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ مَعَ اخْتِلَافِ دِينِهِمَا، وَيَثْبُتُ الْوَلَاءُ لِلذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى، وَالْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، وَلِكُلِّ مُعْتِقٍ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى، وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ. وَهَلْ يَرِثُ السَّيِّدُ مَوْلَاهُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، يَرِثُهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ: الْوَلَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَرِثُ الْمُسْلِمُ مَوْلَاهُ النَّصْرَانِيَّ ; لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ تَمَلُّكُهُ، وَلَا يَرِثُ النَّصْرَانِيُّ مَوْلَاهُ الْمُسْلِمَ ; لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ تَمَلُّكُهُ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ مَعَ اخْتِلَافِ دِينِهِمَا ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ} . وَلِأَنَّهُ مِيرَاثٌ، فَيَمْنَعُهُ اخْتِلَافُ الدِّينِ، كَمِيرَاثِ النَّسَبِ
وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ مَانِعٌ مِنْ الْمِيرَاثِ، فَمَنَعَ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ، كَالْقَتْلِ وَالرِّقِّ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالنَّسَبِ أَقْوَى، فَإِذَا مَنَعَ الْأَقْوَى فَالْأَضْعَفُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْحَقَ الْوَلَاءَ بِالنَّسَبِ، بِقَوْلِهِ: {الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ} . وَكَمَا يَمْنَعُ اخْتِلَافُ الدِّينِ التَّوَارُثَ مَعَ صِحَّةِ النَّسَبِ وَثُبُوتِهِ، كَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مَعَ صِحَّةِ الْوَلَاءِ، وَثُبُوتِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا عَلَى الْإِسْلَامِ، تَوَارَثَا كَالْمُتَنَاسِبِينَ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَصَبَةٌ عَلَى دِينِ الْعَبْدِ، وَرِثَهُ دُونَ سَيِّدِهِ. وَقَالَ دَاوُد: لَا يَرِثُ عَصَبَتُهُ مَعَ حَيَاتِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ الْعَصَبَةِ مُخَالِفًا لِدِينِ الْمَيِّتِ وَالْأَبْعَدُ عَلَى، دِينِهِ وَرِثَ دُونَ الْقَرِيبِ.
(4997) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيًّا، فَلَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ ; لِأَنَّ الْوَلَاءَ مُشَبَّهٌ بِالنَّسَبِ، وَالنَّسَبُ ثَابِتٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ. وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْعِتْقُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، مُسْلِمًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا. وَلَنَا، أَنَّ مِلْكَهُمْ ثَابِتٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} فَنَسَبَهَا إلَيْهِمْ، فَصَحَّ عِتْقُهُمْ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا صَحَّ عِتْقُهُمْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ} فَإِنْ جَاءَنَا الْمُعْتَقُ مُسْلِمًا، فَالْوَلَاءُ بِحَالِهِ
فَإِنْ سُبِيَ مَوْلَى النِّعْمَةِ، لَمْ يَرِثْ مَادَامَ عَبْدًا، فَإِنْ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ، وَلَهُ الْوَلَاءُ عَلَى مُعْتِقِهِ، وَهَلْ يَثْبُتُ لِمُعْتِقِ السَّيِّدِ وَلَاءٌ عَلَى مُعْتَقِهِ ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يَثْبُتَ ; لِأَنَّهُ مَوْلَى مَوْلَاهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ ; لِأَنَّهُ مَا حَصَلَ مِنْهُ إنْعَامٌ عَلَيْهِ وَلَا سَبَبٌ لِذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مَوْلَاهُ فَأَعْتَقَهُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَى صَاحِبِهِ يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ. وَإِنْ أَسَرَهُ مَوْلَاهُ فَأَعْتَقَهُ، فَكَذَلِكَ. وَإِنْ أَسَرَهُ مَوْلَاهُ وَأَجْنَبِيٌّ فَأَعْتَقَاهُ، فَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. فَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ الْمُعْتَقُ الْأَوَّلُ فَلِشَرِيكِهِ نِصْفُ مَالِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْلَى نِصْفِ مَوْلَاهُ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ
وَالْآخَرُ لَا شَيْءَ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِ وَإِنْ سُبِيَ الْمُعْتَقُ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ، فَأَعْتَقَهُ، بَطَلَ وَلَاءُ الْأَوَّلِ