يَنْقَطِعْ التَّوَارُثُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: إنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ تَلَاعَنَا ثَلَاثًا، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ، وَانْقَطَعَ التَّوَارُثُ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُمَا مُعْظَمُ اللِّعَانِ، وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّوَارُثُ. وَلَنَا، أَنَّهُ تَفْرِيقٌ قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ، فَأَشْبَهَ التَّفْرِيقَ قَبْلَ الثَّلَاثِ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي تَوَارُثِ الزَّوْجَيْنِ. فَأَمَّا الْوَلَدُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْ الْمُلَاعِنِ إذَا تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ.
لِأَنَّ انْتِفَاءَهُ بِنَفْيِهِ، لَا بِقَوْلِ الْحَاكِمِ: فَرَّقْت بَيْنَكُمَا، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي اللِّعَانِ لَمْ يَنْتَفِ عَنْ الْمُلَاعِنِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى الْوَلَدَ عَنْ الْمُلَاعِنِ، وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الرَّجُلُ فِي لِعَانِهِ. وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ حَمْلًا فِي الْبَطْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَنْظِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، حَمْشَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ جَعْدًا، جَمَالِيًّا، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ} فَأَتَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، عُدْنَا إلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِيرَاثِ الْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، أَنَّ عَصَبَتَهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ. نَقْلَهَا الْأَثْرَمُ، وَحَنْبَلٌ. يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، إلَّا أَنَّ عَلِيًّا يَجْعَلُ ذَا السَّهْمِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَحَقَّ مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَقَدَّمَ الرَّدَّ عَلَى غَيْرِهِ
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ أُمَّهُ عَصَبَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَعَصَبَتُهَا عَصَبَتُهُ. نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ، وَمُهَنَّا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَمَكْحُولٍ، وَالشَّعْبِيِّ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {جَعَلَ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا} وَرَوَاهُ أَيْضًا مَكْحُولٌ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا. وَرَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ ; عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ} . وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَقَالَ: {كَتَبْت إلَى صَدِيقٍ لِي مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ أَسْأَلُهُ عَنْ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، لِمَنْ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَتَبَ إلَيَّ ; إنِّي سَأَلْت فَأُخْبِرْت أَنَّهُ قَضَى بِهِ لِأُمِّهِ، هِيَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ.} رَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهَا قَامَتْ مَقَامَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فِي انْتِسَابِهِ إلَيْهَا، فَقَامَتْ مَقَامَهُمَا فِي حِيَازَةِ مِيرَاثِهِ، وَلِأَنَّ عَصَبَاتِ الْأُمِّ أَدْلَوْا بِهَا، فَلَمْ يَرِثُوا مَعَهَا، كَأَقَارِبِ الْأَبِ مَعَهُ. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يُوَرِّثُ مِنْ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ، كَمَا يُوَرِّثُ مِنْ غَيْرِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ، وَلَا يَجْعَلُهَا عَصَبَةَ ابْنِهَا، وَلَا عَصَبَتَهَا عَصَبَتَهُ. فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَوْلَاةً لَقَوْمٍ جَعَلَ الْبَاقِيَ مِنْ مِيرَاثِهَا لِمَوْلَاهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْلَاةً جَعَلَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ جَعَلُوا الرَّدَّ، وَذَوِي الْأَرْحَامِ، أَحَقُّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ، وَلَا نَصَّ فِي تَوْرِيثِ الْأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَا فِي تَوْرِيثِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ السُّدُسِ، وَلَا فِي تَوْرِيثِ أَبِي الْأُمِّ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ عَصَبَاتِ الْأُمِّ، وَلَا قِيَاسَ أَيْضًا، فَلَا وَجْهَ لِإِثْبَاتِهِ