فهرس الكتاب

الصفحة 2010 من 3896

مَسْأَلَةٌ ; قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَهُ إلَى آخَرَ، فَهُمَا وَصِيَّانِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخْرَجْت الْأَوَّلَ) مَعْنَى أَوْصَى إلَى رَجُلٍ. أَيْ جَعَلَ لَهُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فِيمَا كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ، وَاقْتِضَائِهَا، وَرَدِّ الْوَدَائِعِ، وَاسْتِرْدَادِهَا، وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الَّذِينَ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَمَنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ، وَالنَّظَرُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ بِحِفْظِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِمَا لَهُمْ الْحَظُّ فِيهِ. فَأَمَّا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، كَالْعُقَلَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَغَيْرِ أَوْلَادِهِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَسَائِرِ مَنْ عَدَا الْأَوْلَادَ، فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْمُوصِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِنَائِبِهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: لِلْجَدِّ وِلَايَةٌ عَلَى ابْنِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ ; لِأَنَّ لَهُ وِلَادَةً وَتَعْصِيبًا، فَأَشْبَهَ الْأَبَ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، أَنَّ لَهَا وِلَايَةً ; لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، فَأَشْبَهَتْ الْأَبَ. وَلَنَا، أَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِوَاسِطَةٍ، فَأَشْبَهَ الْأَخَ وَالْعَمَّ وَفَارَقَ الْأَبَ، فَإِنَّهُ يُدْلِي بِنَفْسِهِ، وَيَحْجُبُ الْجَدَّ، وَيُخَالِفُهُ فِي مِيرَاثِهِ وَحَجْبِهِ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِهِ، وَلَا قِيَاسُهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَلِي ; لِأَنَّهَا قَاصِرَةٌ لَا تَلِي النِّكَاحَ بِحَالٍ، فَلَا تَلِي مَالَ غَيْرِهَا، كَالْعَبْدِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَلِي بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ، فَكَذَلِكَ بِالنَّسَبِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى إلَى آخَرَ، فَهُمَا وَصِيَّانِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخْرَجْت الْأَوَّلَ أَوْ قَدْ عَزَلْته ; لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِبِشْرٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لَبَكْرٍ. وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ عَزْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَكَانَا وَصِيَّيْنِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى إلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً. فَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ الْأَوَّلَ انْعَزَلَ، وَكَانَ الثَّانِي هُوَ الْوَصِيَّ، كَمَا لَوْ عَزَلَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ إلَى الثَّانِي.

(4771) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ دُونَ غَيْرِهَا، أَوْ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ، أَوْ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ حَسْبُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُ مَا جَعَلَ إلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَإِلَى آخَرَ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ، وَإِلَى آخَرَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا جَعَلَ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَمَتَى أَوْصَى إلَيْهِ بِشَيْءٍ، لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِيرُ وَصِيًّا فِي كُلِّ مَا يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ ; لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ تَنْتَقِلُ مِنْ الْأَبِ بِمَوْتِهِ، فَلَا تَتَبَعَّضُ، كَوِلَايَةِ الْجَدِّ. وَلَنَا، أَنَّهُ اسْتَفَادَ التَّصَرُّفَ بِالْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ الْآدَمِيِّ، فَكَانَ مَقْصُورًا عَلَى مَا أُذِنَ فِيهِ، كَالْوَكِيلِ، وَوِلَايَةُ الْجَدِّ مَمْنُوعَةٌ. ثُمَّ تِلْكَ وِلَايَةٌ اسْتَفَادَهَا بِقَرَابَتِهِ، وَهِيَ لَا تَتَبَعَّضُ، وَالْإِذْنُ يَتَبَعَّضُ، فَافْتَرَقَا.

(4772) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلَيْنِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا، فَيَقُولَ: أَوْصَيْت إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ. لِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا مُنْفَرِدًا، وَهَذَا يَقْتَضِي تَصَرُّفَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَيْهِمَا لِيَتَصَرَّفَا مُجْتَمِعَيْنِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت