عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ.
لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَكَانَ إقْرَارُهُ لِوَارِثٍ، فَلَا يُقْبَلُ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ عِتْقِهِ، ثُمَّ يَبْطُلُ مِيرَاثُهُ، فَكَانَ إعْتَاقُهُ مِنْ غَيْرِ تَوْرِيثٍ أَوْلَى. وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي، أَنَّهُ يُعْتَقُ وَيَرِثُ ; لِأَنَّهُ حُرٌّ حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، لَيْسَ بِقَاتِلٍ، وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِهِ، وَيَرِثُ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ. وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ. وَلَا يَرِثُ، عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، يَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ.
(4703) فَصْلٌ: وَمَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَجِنَايَةِ عَبْدِهِ، وَمَا عَاوَضَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ جَائِزٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِمَالِهِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ، فَيُقَدَّمُ بِذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً يَسْتَمْتِعُ بِهَا، كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، بِثَمَنِ مِثْلِهَا، أَوْ اشْتَرَى مِنْ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي لَا يَأْكُلُ مِثْلُهُ مِنْهَا جَازَ، وَصَحَّ شِرَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِمَالِهِ فِي حَاجَتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، قُدِّمَ بِذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ
; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} .
(4704) فَصْلٌ فَأَمَّا إنْ قَضَى الْمَرِيضُ بَعْضَ غُرَمَائِهِ، وَوَفَّتْ تَرِكَتُهُ بِسَائِرِ الدُّيُونِ صَحَّ قَضَاؤُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، أَنَّ لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، وَمُشَارَكَتَهُ فِيمَا أَخَذَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ بِمَرَضِهِ، فَمَنَعَتْ تَصَرُّفَهُ فِيهِ بِمَا يَنْقُصُ دُيُونَهُمْ، كَتَبَرُّعِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى بِقَضَاءِ بَعْضِ دُيُونِهِ لَمْ يَجُزْ، فَكَذَلِكَ إذَا قَضَاهَا. وَالثَّانِي، أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَلَا مُشَارَكَتَهُ. وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
لِأَنَّهُ أَدَّى وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَأَدَّى ثَمَنَهُ، أَوْ بَاعَ بَعْضَ مَالِهِ وَسَلَّمَهُ، وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى ثِيَابًا مُثَمَّنَةً صَحَّ، وَلَوْ وَصَّى بِتَكْفِينِهِ فِي ثِيَابٍ مُثَمَّنَةٍ لَمْ يَصِحَّ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ إيفَاءَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ قَضَاءٌ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ، وَقَدْ صَحَّ عَقِيبَ الْبَيْعِ، فَكَذَلِكَ إذَا تَرَاخَى، إذْ لَا أَثَرَ لِتَرَاخِيهِ.
(4705) فَصْلٌ: وَإِذَا تَبَرَّعَ الْمَرِيضُ، أَوْ أَعْتَقَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، لَمْ يَبْطُلْ تَبَرُّعُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ. عَتَقَ الْعَبْدُ، وَلَمْ يُرَدَّ إلَى الرِّقِّ. وَهَذَا لِأَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِالتَّبَرُّعِ فِي الظَّاهِرِ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فِيمَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ.
(4706) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي هَذِهِ أَحْكَامُهُ شَرْطَانِ ; أَحَدُهُمَا، أَنْ يَتَّصِلَ بِمَرَضِهِ الْمَوْتُ، وَلَوْ صَحَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي أَعْطَى فِيهِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحُكْمُ عَطِيَّتِهِ حُكْمُ عَطِيَّةِ الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ. الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ مَخُوفًا، وَالْأَمْرَاضُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ; غَيْرُ مَخُوفٍ، مِثْل وَجَعِ الْعَيْنِ، وَالضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ الْيَسِيرِ، وَحُمَّى سَاعَةٍ، فَهَذَا حُكْمُ صَاحِبِهِ حُكْمُ الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ