فَتَكْمُلُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ، ثُمَّ يَكْمُلُ الْمِيرَاثُ لَهُ
وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ: يُعْتَقُ ثُلُثَاهُ، وَلَا يَرِثُ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَكَانَ إعْتَاقَ وَصِيَّةٍ لَهُ، فَيَبْطُلُ إعْتَاقُهُ، ثُمَّ يَبْطُلُ إرْثُهُ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ. وَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِي، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ وَابْنُ الْعَمِّ الْآخَرُ لِلْمَوْلَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ ثُلُثَا الْمُعْتَقِ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ ثُلُثِهِ، وَلَا يَرِثُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُف، وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَقُ كُلُّهُ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ أَخُوهُ بِالْهِبَةِ، وَيَكُونَانِ أَحَقَّ بِالْمِيرَاثِ مِنْ الْمَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ سِوَاهُمَا، أَخَذَ ذَلِكَ الْمَالَ بِالْمِيرَاثِ، وَيَغْرَمُ الْمُعْتِقُ لِأَخِيهِ الْمَوْهُوبِ نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِهِ وَنِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ ; لِأَنَّ عِتْقَ الْأَوَّلِ وَصِيَّةٌ لَهُ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ.
وَقَدْ صَارَ وَارِثًا مَعَ أَخِيهِ، فَوَرِثَ نِصْفَ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ، وَنِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ، وَوَرِثَ أَخُوهُ الْبَاقِيَ، وَكَانَ أَخُوهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ هِبَةً مِنْ الْمَرِيضِ لَهُ، فَعَتَقَ بِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يُعْتَقْ مِنْ الْمَرِيضِ، فَلَمْ يَكُنْ عِتْقُهُ وَصِيَّةً، بَلْ اسْتَهْلَكَهَا بِالْعِتْقِ الَّذِي جَرَى فِيهَا، فَيَغْرَمُ الْأَوَّلُ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَنِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ لِأَخِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ لَمْ يَدَعْ وَارِثًا غَيْرَهُمَا عَتَقَا، وَغَرِمَ الْأَوَّلُ لِأَخِيهِ نِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ، وَلَمْ يَغْرَمْ لَهُ نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا، جَازَتْ وَصِيَّتُهُ ; لِأَنَّهُمَا لَا يَرِثَانِ، وَلَا يُعْتَقَانِ حَتَّى تَجُوزَ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ مَتَى بَقِيَتْ عَلَيْهِ سِعَايَةٌ، لَمْ يَرِثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُعْتَقْ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْفُذَ لِلْمُعْتَقِ وَصِيَّةً لِيَصِيرَ حُرًّا فَيُعْتَقَ أَخُوهُ بِعِتْقِهِ، وَقَدْ جَازَتْ لَهُ الْوَصِيَّةُ فِي جَمِيعِ رَقَبَتِهِ
; لِأَنَّ الْمَيِّتَ إذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا، جَازَتْ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَيَرِثَانِ جَمِيعًا، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ ; لِأَنَّهُ يَقُول: قَدْ صِرْت أَنَا وَأَنْتَ وَارِثَيْنِ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْئًا دُونِي، وَقَدْ كَانَتْ رَقَبَتِي لَك وَصِيَّةً وَعَتَقَتْ مِنْ قِبَلِك، فَاضْمَنْ لِي نِصْفَ رَقَبَتِي. فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَهُنَاكَ مَالٌ غَيْرُهُمَا، أَخَذَ الثَّانِي نِصْفَهُ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِهِ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا لِأَخِيهِ الْأَوَّلِ.
(4701) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِلْمَرِيضِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَتَبَرَّعَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ مِمَّا بَقِيَ وَلَهُ ابْنٌ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَيْسَ الشِّرَاءُ وَصِيَّةً: يُعْتَقُ الْأَبُ وَيَنْفُذُ مِنْ التَّبَرُّعِ قَدْرُ ثُلُثِ الْمَالِ حَالَ الْمَوْتِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ سُدُسُهُ، وَبَاقِيهِ لِلِابْنِ. عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ جَعَلَهُ وَصِيَّةً: لَا يُعْتَقُ أَبٌ ; لِأَنَّ تَبَرُّعَ الْمَرِيضِ إنَّمَا يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ، وَيُقَدَّمُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَإِذَا قُدِّمَ التَّبَرُّعُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ، وَيَرِثُهُ الِابْنُ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا عَتَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَإِنْ وُهِبَ لَهُ أَبُوهُ، عَتَقَ، وَوَرِثَ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ لَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ إنْ وَرِثَهُ
وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتَقْ بِالْمِلْكِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْإِعْتَاقِ بِالْقَوْلِ، بِدَلِيلِ نُفُوذِهِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَنْفُذَ بِالْقَوْلِ.
(4702) فَصْلٌ: وَإِنْ مَلَكَ الْمَرِيضُ مَنْ يَرِثُهُ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، كَابْنِ عَمِّهِ، فَأَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، كَانَ إعْتَاقُهُ وَصِيَّةً مُعْتَبَرَةً مِنْ الثُّلُثِ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ مَالِكُهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ، فَاعْتُبِرَ عِتْقُهُمْ مِنْ الثُّلُثِ. فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْمُعْتَقِ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَرِيضٍ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ فِي مَرَضِهِ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ،